جئنا قبلكم، اليومً نعانقكم

 

د.توفيق رفيق آلتونجي

مرة أخرى وأنا اكتب فوق السحاب وانظر من شباك الطائرة إلى ربوع ومدن الأندلس وأتساءل كيف تمكن أناس قدموا من الشرق وشمال أفريقيا قبل ألف عام من قطع كل هذه الجبال والوديان وسيطروا على أماكن شاسعة في شبه الجزيرة الإيبيرية. نرى بقايا آثارهم في معظم مدن إسبانيا والبرتغال جاءوا بكل أبداع الفنان الشامي من معمار و وعلوم بناء وسيراميك وزخارف وحدائق ناشرين الحضارة في ربوع البلاد. السفر بالطائرة فرصة لملاحظة سلوك البشر. ويلاحظ المتابعين لكتاباتي باني اعرج إلى بعض اليوميات في أسفاري واكتب خلال الرحلة التي قد تطول لساعات كي لا أبعد الضجر.


اليوم أحدثكم عن مجموعة من المسافرين يرون في نفسهم أنهم الأعلون ويميزون انفسهم عند شراء بطاقة الطيارة حيث يختارون فصيلة ” المسافر المفضل ” وطبعا يدفعون قيمة أغلى لشراء البطاقة لكن الطائرة هي نفسها طبعا وللجميع. الميزة الوحيدة انه يسمح لهم فقط الدخول للطائرة قبل الأخرين من الركاب. لكن هذه الميزة متعبة أحيانا خاصة في الصيف حيث ينتظرون كثيرا في الخرطوم الضيق المؤدي إلى بوابة الطائرة وقبيل فتحها وخاصة في أيام الصيف الحارة. لا ادري لماذا يحاول بعض النفوس المتكبرة والأنانية ان تتميز نفسها عن باقي البشر الطبيعيين. متناسيا هؤلاء ان قدر الجميع متساوي في تلك الطائرة ولا سامح الله إذا ما حصل حادثة أثناء الرحلة. والجميع سيصلون حتما إلى مقصدهم وبيوتهمً بسلام في نهاية المطاف.

ولكن…. حديثنا اليوم عن تاريخ الشرق الأوسط فقد كتبها شعوب عدده ومعظمهم جاءوا إلى المنطقة مهاجرين او طامعين محتلين غزاة محاربين لمن جاءوا قبلهم وفي فترات زمنية مختلفة. هؤلاء منهمً من كان مسالما دعاة خير بنوا الحضارات واكتشفوا الكتابة ونادرا ما نراهم قد غزوا شعوبا او دخلوا في صراعات وحروب ونزاعات مع الجيران. ومنهم من كانوا قتلة ومجرمين دعاة حكم وسلطة فعاثوا فسادا في الأرض وفي جميع الجهات لبناء تلكً إمبراطوريات ما فتات ان انهارت وباتت قلاعهم وقصورهم خرائب وجاء عليها الرمال بعد أكلتها السوس. هؤلاء جميعا جاءوا كذلك بثقافاتهم وأعرافهم ومعتقداتهم إلى الشرق وامتزجوا أحيانا في حوار حضاري سلمي مع شعوب المنطقة ممن جاءوا قبلهم. اما الآخرون فقد جائوا بالدين من يهودية والمسيحية وإسلام لان مصادر تلك الأديان وكما نعلم ليس في بلاد الرافدين. لكنه كان لأبناء الحضارات العراقية القديمة معتقداتهم ودياناتهم عند وصول المسلمين قبل ألف وأربعمائة عام حيث كانت الصابئة، اليهود، المسيحية وطبعا الديانة الرسمية للإمبراطورية الساسانيين كانت المجوسية ومعبدهم كان معبد النار المقدسة وآخر ملوكهم كان كسرى يزدجرد الذي قتل في معركة القادسية الشهيرة. وقصره في مدينة المدائن ويسمى طاق مسرى وتعتبر من عجائب البناء خاصة السقف. كل تلك الديانات والعقائد مذكورة نصاً في القران الكريم وكانت هناك عقائد وطوائف دينية كثيرة أخرى كذلك. نتيجة لجغرافية الشرق الأوسط التي يضعها بين ثلاث قارات تحول بلاد ما بين النهرين إلى مكان لتلاقي الأقوام وازدهرت مدنها وزاد أطماع الطامعين خاصة هؤلاء القادمين من الشرق من المغول والتتار.


تحولت المنطقة إلى مفرق وملتقى وعبر الدهور لتلاقي الشعوب والعقائد ولموقعها الجغرافي. الكثير من تلك الحضارات اختفت وزالت وتبقى آثارهم شاهدا عليهم لكن ثقافيا هنالك انعكاسات لتلك التعددية في الشعب العراقي وعقائده المختلفة حتى يومنا هذا. بهذا الصدد ونتيجة لزياراتي المتكررة إلى الأندلس وسكني لشهور هناك ارى أنها تختلف كثيرا بالمقارنة مع ألمانيا او حتىً المملكة المتحدة وقفت هنا وعنً كثب علىً ثقافتهم الخليطة الغربية الشرقية ورغمً مرور اكثر من دهر على زوال دولة الإسلام فيها وما جرى منً ماسي على الجميع بسبب التطرف الديني الذي شمل أبناء الديانتين اليهودية والإسلام على سواء مع نهاية السيطرة ملوك الطوائف على هذه البلاد نتيجة لصراعهمً الداخلي على السلطة. لكن بقى الكثير من ثقافاتهم الأندلسيين وآثارهم حاضرة إلى يومنا هذا في لهجاتهم أعرافهم عاداتهم وأسلوب حياتهم. رغم أننا نرى بانً هنالكً اهتمامً كبير علىً تلك الآثار والمحافظة عليها وترميمها التي تجلب الملاين لهم سنويا والعدد في ازدياد كما في القصر الحمراء والحدائق الجميلة التابعة لها. لا ريب ان العاصمة الأوربية الوحيدة والتي أرسى أسسها المسلمون أسسها هي مدريد وقد شاهدت أجزاء من سورها قرب القصر الملكي سيج ويحافظ عليها الإسبان كإرث ثقافي وتاريخي.

نرى كل ذلك جليا في بقايا ثقافات ابناء تلك الشعوب العراقية وأكاد اجزم أنهم لم يتبخروا بل هم تغيروا كليا وجذريا وبمرور الدهور نسوا كل شيء تقريبا يربطهم بتلك الحضارات القديمة لكن بقى الكثير من تلك الثقافات في لهجاتهم وأعرافهم وملابسهم. الطوائف المنتشرة في العراق يختلفون من منطقة إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى من جميع النواحي الثقافية والأعراف والتقاليد.

بلاد الرافدين متحف للشعوب فسوف ترى بان جميع سكانها من الذين قدموا إليها مهاجرين وبدون اي استثناء وكان العامل الاقتصادي حافزا مشتركا لهم جميعا فالمعروف بان أراضي العراق قبل دهور خلت كانت غنية والأراض صالحة للزراعة وخصبة إلى درجة كانت تسمى ارض السواد لكون النباتات كانت غالبة ومن الطبيعي لم تكن على ما هي عليها الان وحتى مكان التقاء النهرين في “القرنة” اليوم تغيرت عبر الدهور وتمركزت الحضارات دوما في السهول وقلما نجد مدالأصلية بينما انصهر ت الشعوب الأخرى في البوتقة العربية الإسلامية. هنا يجب التميز بين اللغة والأصول الأثنية فبينما نرى بان معظم اللغات الأوربية من الأرومة اللاتينية لكن شعوبها مختلفة وكذلك نرى بان العديد من الشعوب تنتمي إلى السامية غير ان لغاتها مختلفة فالعبرية لغة كما هي عليها الآرامية والعربية وشعوبها كذلك. اي الانتماء الثقافي للغة ما لا يغير الانتماء الإثني. مثال ذلك نراه واضحا في لغات المستعمر الإنكليزي، الفرنسي والإسباني وانتشار تلك اللغات بين ملايين شعوب دول العالم المختلفة. ناهيك عن ذلك نرى اختلافاً كذلك في خطوط كتابة تلك اللغات. لكن لقصور ما او لهدف غير معلن يقوم القوميون دوما بربط اللغة مع أصول الشعوب ويعتبرونها من مقومات القوميّة فتراهم يبالغون في مساحة وأعداد دول تواجدهم وأعداد نفوسهم إلى درجة يعتبرون حدودهمً تمتد إلى مكان تواجد آخر مواطن يتحدث لغتهم. هذا لا يلغي بالطبع الانتماء الثقافي للغة ما دون نسيان الأصول الأثنية. وهذا ما حصل لجميع العلماء والقادة الكرام ومن أصول مختلفة بعد دخولهمً الدين الإسلامي واختيار أسماء عربية لهم ولأبنائهم تيمنا بأسماء الصحابة الكرام، مثلا

لذا نرى انً هناكً جدال مستمر حول أصولهم وكل يدعي انتماء ذلكً الشخصية إلى قومه ومثال ذلكً نراه جليا في أصول القومية لانتماء القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي (الكوردي، العربي، التركي) ويتفنن أبناء تلك القوميات في طرح أفكار مختلفة تؤيد توجهاتهم القومية كذلك في مدينة كركوك أمثلة كثيرة لشخصيات أدبية وفنية وكل يدعي انتماء الشخص لقومه*. والعكس صحيح فإذا كان الشخصية مجرمة يحاول هؤلاء الابتعاد عنه وإنكاره بينما نرى ان هناك شخصيات يعتبرها البعض طغاة ومجرمين قتله، بينما يعتبره شعب آخر بطل قوميا كما في شخصية جنكيزخان. الأرض أمانة و وديعة في رقاب البشر وينتقل كإرث من قوم إلى آخر ولا تبقى حكرا على قوم دون الأخر، فكم من الأقوام لم يكن لهمً اي وجود في بلد ما واليوم يحكمون تلك البلدان ، فتأمل قارئي الكريم.ن وحضارات في المناطق الجبلية. إلا لهؤلاء اللذين احتاجوا إلى الحماية فحماهم الجبل لذا نرى ان السومريين، البابليين، الأكاديين والسومريين بنوا حضاراتهم ومدنهم كلها في مناطق سهلية اور، بابل وآشور وعلى اقل تقدير هذا ما وصلنا عن آثارهم.
أما بعد بزوغ الرسالة النبوية ومجيء جحافل جيوش المسلمين فقد تغيرت الأمور فالإسلام دين ولغة. جميع الشعائر والعبادات يجب انً تجرى باللغة العربية وبلسانهم العربي المبين. هذا ما غير ثقافة جميع الشعوب العراقية واحتفظ الأقوام الجبلية بلغاتهم 
السويد، 2025
إشارات؛
*المطرب هابه ( عبد الوهاب برغش)و الشاعر هجري ده ده ( محمود علي نضر) مثالا.

قد يعجبك ايضا