د ابراهيم احمد سمۆ
الجميع اليوم منشغلٌ بتحليل البيان والإعلان الرسمي الصادر عن السيد عبد الله أوجلان، وكلٌّ يدلي برأيه وفق قناعاته ورؤيته الخاصة. في اعتقادي، نحن أمام موضوع حساسٍ للغاية، ليس بالسهل ولا بالقليل، خاصة أن البيان جاء في ثلاث صفحات ليعلن عن مرحلة جديدة لحركةٍ امتدت لعقودٍ طويلة.
من وجهة نظري، هذا الإعلان يمثل نهاية للحركة من حيث الاستراتيجية والوجود الفعلي، حتى وإن بقيت بعض الجماعات، فإن تأثيرها المستقبلي سيكون محدودًا للغاية. فقد بات واضحًا أن مصير هذا الحزب أصبح في مهب الريح، خصوصًا بعد التحولات الجيوسياسية الكبرى، مثل التطورات في سوريا، وانعكاسات الحرب الإسرائيلية، والتغيرات التي شهدها حزب الله في لبنان، حيث أُبعد عن المعادلة السياسية هناك. إضافةً إلى ذلك، فإن القاعدة الأساسية لحزب العمال الكردستاني كانت تعتمد على سوريا، ومع تغير موازين القوى وخارطة التحالفات، أصبح الحزب أمام معادلة صعبة.
إننا نشهد إعادة رسم لخرائط المنطقة وفق المصالح، وليس وفق الحدود التقليدية. ومع كل هذه الأحداث، يلوح بصيص الأمل لنا نحن الكرد، لكن لا شيء مؤكد، فالمتغيرات تتجاوز قناعاتنا الذاتية، خاصة أن القوى الفاعلة على الساحة هي دولٌ لها تاريخٌ يمتد لمئة عام، وتمتلك خبراتٍ في إدارة الصراعات وفق مصالحها.
دور البارزاني وحكمة الحوار
في ظل هذه التحولات، لعب الرئيس مسعود بارزاني دورًا محوريًا في توجيه دفة الأحداث نحو الحوار بدلًا من القتال. فالعالم تغير، ولم تعد لغة الدبابات والسلاح هي المسيطرة، بل أصبحت لغة الحوار والتفاوض هي السبيل لتحقيق المكاسب مع حفظ ماء الوجه. بالنسبة للكرد، فقد تحولوا من شعبٍ مغدور إلى قوةٍ تبحث عن الأمان والاستقرار، وحققت بعض الإنجازات الملموسة، بل إن خيار الاستقلال نفسه أصبح ممكنًا إذا ما توافقت المصالح وتحققت الظروف الملائمة بذكاءٍ سياسي وحكمةٍ استراتيجية.
في هذا السياق، جاء دعم البارزاني لفكرة حل السلام بدلا من الحرب و القتال كخطوةٍ نحو إحلال السلام بين الشعبين الكردي والتركي، بعيدًا عن الأوهام، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة القبول بالواقع والديمقراطية وحقوق الإنسان. ولكن، لتحقيق هذه الغاية، لا يكفي أن يكون لدى الكرد نوايا صادقة، بل يتوجب على الدولة التركية أيضًا أن تبدي رغبةً حقيقيةً في إنهاء النزاع والاعتراف بالحقوق المشروعة للكرد.
فرصة للسلام والمستقبل الكردي
اليوم، هناك أصواتٌ تعترض وترفض هذا التوجه، وهذا متوقعٌ، خاصةً بين مؤيدي حزب العمال الكردستاني الذين قدموا تضحياتٍ كبيرة. لكن الحقيقة الواضحة هي أن الإنجاز والانتصار الحقيقي لا يتحقق فقط بالمقاومة، بل أيضًا بالحوار والسلام. ومن خلال إعلان السيد أوجلان، بات السلام الدائم أقرب من أي وقتٍ مضى، ليبقى التحدي في دفع العملية السياسية إلى الأمام، بحيث لا يكون هناك رابحٌ أو خاسر، بل يكون الجميع شركاء في مستقبلٍ مشتركٍ أكثر استقرارًا.
إذا ما سارت الأمور وفق هذا المسار، فإن الكرد والأتراك على حد سواء سيكونون الرابحين الأكبر. وحبذا لو تصل رسالة السيد أوجلان كفاتحة خيرٍ لمرحلةٍ جديدةٍ من التصالح الدائم، حيث تجتمع الشعوب على مائدة السلام دون خوفٍ أو قلق.
في النهاية، يبقى السلام هو الخيار الأسمى، ومن جاء به بنوايا صادقة ووضوح، كالرئيس مسعود بارزاني، ومن يدعم مسيرته مثل الرئيس نيجيرفان بارزاني ورئيس الحكومة مسرور بارزاني، فإنه يستحق التقدير، لأنه يدفع بالقضية الكردية نحو مستقبلٍ أكثر وضوحًا واستقرارًا.