الجزء الأول
الأستاذ برادوست ميتاني
اللغة كالتاريخ والجغرافية، هي الجسد الذي تعيش فيه الروح وبدون هذا الجسد لا حياة للروح! لذا فأن اللغة الكوردية هي الجسد الذي تعيش فيه الكوردايتي، وبسبب تلك الحقيقة وجه أعداء الكورد سهامهم المسمومة إلى جسد الأمة الكوردية وفي المقدمة إلى روحها حيث اللغة الكوردية، بحيث حاولوا مراراً وتكراراً وبكل الوسائل اللاإنسانية على طمسها وإنكارها بدءً من جذورها المتعمقة في التاريخ، وبكل الأسف نجحوا في ذلك إلى حد بعيد بأساليب الإكراه والترهيب تارة وبأساليب الترغيب باللعب على أوتار الإيمان خاصة في الدين تارة أخرى. ولكن كما يقول الكورد: “كَه يا دي بن كه فراندا نامينا” أي “لا تبقى الأعشاب تحت الحجارة”، لأنها تجهد في نفسها كي تخرج من تحتها وتستمر في النمو.
ذلك ما حدث وما يحدث مع الشعب الكورد ي بشكل عام ومع لغته بشكل خاص. فبفضل الحجم الكبير للوجود الكورد ي وعدده الهائل وغناه الثقافي وتراثه الدفين والعريق وبجهود المخلصين والمختصين، تمكنت اللغة الكوردية في الحفاظ على وجودها، وأمكن للكورد من إزالة جزء من الغشاوة التي صنعتها الأنظمة والعنصريون عنها وكذلك عن التاريخ الكوردي، فأخذت المصادر تكثر هنا وهناك للبحث فيهما، كما أن هذه المصادر تصل إلى قدم تاريخ الكتابة الكوردية الطويل الذي يعود إلى أكثر من أربعة آلاف سنة ق.م.
مرحلة ما قبل التاريخ
تعود اللغة من حيث النطق والكلام لدى الكورد إلى زمن الإنسان العاقل هوموسبيانس في كوردستان، أما من حيث الحروف فتمتد الكتابة إلى الشكل المأخوذ من الصور، فكان التعبير عن شيء برسم صورة له، لذا تسمى بالكتابة الصورية. ثم انتقل الإنسان بشكل عام وإنسان ميزوبوتاميا بشكل خاص بمن فيهم الكورد إلى استخدام الرمز للتعبير الدال على المعنى. مثال ذلك برسم رمز يدل على النهر وبجانبه رسم إنسان، بمعنى: سار الإنسان مع النهر أو البحر.. وهكذا، فسميت بالكتابة الرمزية.
مرحلة التاريخ لغة سومر
بتقدم الإنسان وذهنيته أخذت الكتابة الصورية تتحول إلى الرموز ومن ثم إلى الحروف وخاصة لدى الكورد الذين أسسوا دول وإمبراطوريات بدأت عند الإيلاميين والكاشيين، ومن ثم عند الكوتيين والهوريين وغيرهم، وقد اشتهرت في سومر وكوردستان باسم الكتابة المسمارية 3500 ق.م، إذ أن للكورد دور كبير في بناء حضارة سومر بسبب وجودهم فيها بفترة تجاوزت بكثير عن ألف عام وشمل تأثيرهم ميزوبوتاميا وخارجها.
لنترك هنا الجانب السياسي للتأثير الكوردي في الحضارة السومرية ولنكتفي فقط بالجانب اللغوي، فعندما نتناول الجانب اللغوي الكوردي السومري يعني ذلك أننا نبحث عن الجذور الأولى للغة الكوردية من جهة وعن العلاقة الروحية بين اللغة الكوردية والسومرية من جهة أخرى سواء من حيث شكل الحروف أو من حيث النطق والألفاظ.
من حيث القواعد والحروف والكتابة
تظهر الرقم الطينية شكل الحروف لدى الكاشيين، الإيلاميين، السوباريين والكوتيين والسومريين بأنها كانت واحدة وتسمى بالمسمارية، أي أن الشكل والمنشأ واحد مع السومرية.
اللغتان الكوردية والسومرية تشتركان بصفات خاصة فيما بينها، فهما من عائلة لغة ذات كتابة لاصقة وممتزجة وغير اشتقاقية بشكل عام، أي أن اللفظ لا يشتق من بعضه كما هي في العربية. بل يمكن تركيب كلمتين مع بعضهما وإيجاد كلمة أخرى منهما بمعنى جديد. مثال: لو (الرجل)- كال (العظيم)= لوكال أي الرجل العظيم. نو (الجديد) روز (اليوم) = اليوم الجديد، وهناك أمثلة كثيرة في اللغة الكوردية مثل: سروك- كومار تصبح سروكومار، رو- هلات تصبح روهلات، سر- بان تصبح سربان وهكذا….
لا يسبق الفعل الفاعل في الجملة كما هو في اللغة العربية، أي هكذا: نجح الطالب، بل أن في السومرية والكوردية، يأتي الفعل في النهاية، هكذا: خوندكار بي سه ركت. لا يوجد فيهما المثنى كما هو في العربية، بل يوجد المفرد فقط، مثال : برخي نير، أي “الخروف الذكر” حيث لا يوجد في السومرية والكوردية بصيغة المثنى، أي لا يوجد الخروفان الذكران إلا باستخدام العدد اثنان، أي هكذا: دو برخين نيرَ.
كما لا يوجد فيهما أي الكوردية والسومرية المؤنث، إلا بالإشارة إلى الجنس من خلال الجملة. فـ “البرخ، هكذا بمفرده هو (برخ) سواء ذكر أو أنثى ولكن داخل الجملة يتم معرفة ذلك. مثال: (برخي نير- برخا مي) وهكذا.
توجد في السومرية ومثلها الكوردية الأحرف (Ç،J،P،G) ولكنها لا توجد في العربية، ولا توجد فيهما حروف (ث، ض، ط، ح)، وكما أن اللغتان السومرية والكوردية تحويان حروف العلة (A،U،E ،I).
من حيث الأسماء
توجد أسماء كثيرة متطابقة أو قريبة من بعض في السومرية والكوردية ، مثل: كار- العمل، كوي- الجبل ومازال هذا الاسم مستخدماً لدى أهلنا الزازايين، كالكامش- الثور العظيم، كاستير- القصدير، الرفش- مر، روفي- الثعلب، توبوداناتو- كاتب الطابو، زكوتو- الزكاة، شاركشتي- ملك العامة، خور- الشمس ومازالت تستخدم لدى أهلنا الصورانيين وغيرهم، مي- أنثى، آكر- النار، إينانا- اليقين ومنها أين ونينى أي الجمعة والسيدة الكبيرة، نانكي- سيدة المكان، نك- القدم، ده ب- لوحة للكتابة ومنها الخشب ودبتر ودفتر ودبستان، مشكين- مسكين وهم الطبقة الدنيا لدى السومريين والهوريين الخوريين وغيرهم من أجداد الكورد ، زند- الساعد، آ أي آف الماء، ناندا أي نان- الخبز، كـَة أي كَنم- القمح، شة أي جة- الشعير، سَم أو سَن وهسن- الحديد، نشار- نجار، سَنكري- الحداد، كَا- الثور، قولة أي كولة- الخادم، قيزك- الفتاة، ميش- ذباب، كاكا- الأخ، كَوت أي جوت- المحراث، باران- المطر، تي- العطش، باتيس أي باديشاه- الملك، بِر- كثير، دار- شجرة، كور- عميق، اوتو- الشمس ومنها الآن في اللغة الكوردية هتاو- الشمس واوتي- المكواة وإيتون- الحرارة، أمة- الجماعة والآن في الكوردية أمت، سو- بالكوردية (سور)- الأحمر، كَل- الشعب.
من حيث الديمومة والاستمرارية
إن مدينة أرك تسمى أركواز في منطقة إيلام المتحولة من اسم أوروك، وتسكنها الآن قبيلة ملكشاهي الكوردية. كما أن قبيلة سورميرا الكوردية تسكن بالقرب من مدينة سومار، وكذلك نهر سيمرا يخترق أراضي إيلام في روزهلات أي شرق كوردستان. وتأكيداً على الصلة العرقية اللغوية بين الكورد والسومريين مازال الكورد الكلهوريين والفيليين يتكلمون بلهجات قريبة من لغة أجداهم الكورد القدماء بمن فيهم اللغة السومرية.
الزندية:
تطور شكل الكتابة جزئياً من الشكل الذي استخدمه الكورد القدماء إبان الحضارة السومرية إلى شكل أكثر تجاوباً مع اللفظ، وبالأخص في الفترة التي تميزت بتبلور الفكر الديني الميترائي والإيزيدي (الزندي) والزردشتي، فجاءت الحروف بشكل أكثر وضوحاً عرفت بالحروف “الزندية”، وكتب بها الكتاب الإيزيدي المقدس “مصحفا رش” أي “الكتاب الاسود” وكذلك كتاب “جلوا”.
وبتقادم الزمن تبلورت الحروف الزندية وما يظهر للعيان ذلك هو في الكتاب الديني الإيزيدي (جلوا). وبالمقارنة بين الحروف العربية والحروف المستخدمة في كتاب (جلوا) الإيزيدية نرى كيف أخذ العرب منها أبجديتهم.
الآفستائية:
أما الشكل الاكثر انتشاراً وتأثيراً هو في الأبجدية الآفستائية مع كتاب (آفستا) للفيلسوف زرادشت، ترسخت هذه الكتابة واللغة الكورديتان حتى أصبحتا ذات امتداد أكبر باتجاه الهند واليونان والقفقاس على مدار انتشار الديانة الزردشتية، حيث كتب بهما كتاب آفستا باسم لغة آفستا، ولكن ما يحز النفس هو أن هذه اللغة وبسبب العداء الشديد للزردشتية من قبل قوميات وأديان غريبة عن المنطقة، تعرضت للكثير من الاعتداء والتشويه عندما حاولوا بشتى الوسائل القضاء عليها، ومع الأسف هذا ما فعله العرب المسلمون ومن قبلهم اسكندر المقدوني، عندما أحرقوا الآلاف من هذه الكتب ولاحقوا كتابها وأتباعها وخاصة العلماء. ومن الجدير ذكره كانت عدد أحرفها 44 حرفاً، قال في هذا السياق الأستاذ فارس عثمان في كتابه عن الزردشتية: يقول قاسم الدمشقي: إن حروف القرآن الكريم هي حروف آفستا بأعيانها لا على أنها مثلها.