حين تتحول ورقة صغيرة إلى درس في الحياة من تجربتي في التعليم

شينوار ابراهيم

لم أؤمن يوماً بأن التعليم يقتصر على الكتاب والسبورة أو أن مهمة المعلم تنتهي عندما يشرح الدرس ويتأكد من أن الطلاب حفظوا المعلومات. كنت أؤمن بأن المدرسة مكان يتعلم فيه الإنسان كيف يفكر… كيف يرى العالم من حوله وكيف يفهم أثر تصرفاته مهما بدت صغيرة.
من خلال تجربتي في التعليم… اكتشفت أن بعض الدروس لا تحتاج إلى محاضرات طويلة، بل إلى سؤال واحد في الوقت المناسب.
في إحدى المرات، نظمت مدرستنا مشروعاً استمر أربعة أسابيع حول حماية البيئة. وعندما دخلت الصف، لم أبدأ بشرح موضوع المشروع… ولم أكتب عنوانًا على السبورة. أردت أن أبدأ من شيء يراه الطلاب كل يوم، لكنهم ربما لم يتوقفوا يومًا للتفكير فيه.
كان أحد الطلاب يرمي ورقة في سلة المهملات… فطلبت منه أن يتوقف قليلًا، ثم سألته:
كم ورقة تستخدم أو ترمي في اليوم الواحد؟
فكر قليلاً، ثم أجابني: ربما ورقتان أو ثلاث…
طلبت منه أن يجلس… ثم وجهت السؤال إلى الصف كله. بدأنا نحسب… نقدر ونوسع دائرة التفكير. ماذا لو جمعنا استهلاك الطلاب في الصف؟ ماذا لو حسبنا استهلاك المدرسة بأكملها؟ ثم ماذا عن مدارس المدينة؟ وماذا لو انتقلنا بحساباتنا إلى مستوى ألمانيا؟
شيئاً فشيئاً، تحولت ورقة صغيرة إلى أرقام كبيرة وتحولت الأرقام إلى سؤال أكبر: ما الثمن الذي تدفعه الطبيعة مقابل عاداتنا اليومية؟
بدأنا من الطالب نفسه. ماذا لو استخدم كل طالب ورقتين ونصف يومياً في المتوسط؟ قد يبدو الرقم صغيراً، لكنه يتغير عندما نجمعه على مستوى مدرسة كاملة.
تضم مدرستنا 1200 طالب. وإذا افترضنا أن كل طالب يستخدم ورقتين ونصف يومياً، فإن مجموع ما يستخدم في المدرسة سيبلغ نحو 3000 ورقة في اليوم… 15 ألف ورقة خلال خمسة أيام دراسية ونحو 570 ألف ورقة خلال سنة دراسية افترضنا أنها تمتد 190 يوماً.
ثم وسعنا دائرة الحساب إلى ألمانيا كلها. يبلغ عدد طلاب المدارس ذات التعليم العام في ألمانيا نحو 8.9 مليون طالب في العام الدراسي 2024/2025، وفق بيانات المكتب الاتحادي للإحصاء الألماني. وإذا استخدم كل طالب ورقتين ونصف يومياً، فإن العدد الافتراضي سيصل إلى نحو 22.3 مليون ورقة في اليوم ما يقارب 4.23 مليار ورقة خلال 190 يوماً دراسياً.
هذه الأرقام ليست إحصاءً رسمياً للاستهلاك الفعلي أو للهدر، بل نتائج حسابية مبنية على معدل افتراضي موحد. ولم يكن الهدف من الحساب الادعاء بأن كل طالب يستخدم العدد نفسه من الأوراق، بل أن يرى الطلاب كيف يمكن لعادة صغيرة أن تتضخم عندما تتكرر لدى ملايين الأشخاص.
ثم انتقلنا إلى سؤال آخر: ماذا تعني هذه الكمية من الورق بالنسبة إلى الأشجار؟
تشير تقديرات تقريبية إلى أن الشجرة الواحدة قد توفر أليافاً تكفي لإنتاج آلاف الأوراق، لكن العدد يختلف بحسب نوع الشجرة وحجمها وطريقة صناعة الورق ووزنه. كما أن جزءاً من الورق يُصنع من مواد معاد تدويرها. لذلك لا يمكن تحويل عدد الأوراق إلى عدد دقيق للأشجار التي قطعت فعلاً من أجل المدارس.
ومع ذلك ساعدتنا المقارنة على فهم أن الورقة ليست مجرد قطعة بيضاء نكتب عليها ثم نتخلص منها، بل منتج يرتبط بموارد طبيعية وعمليات إنتاج ونقل واستهلاك.
حاولت أن أجعل الطلاب ينظرون إلى الورقة التي يرمونها بطريقة مختلفة… فهي ليست مجرد قطعة تنتهي رحلتها في سلة المهملات، بل جزء من سلسلة طويلة تبدأ بالطبيعة… وتمر بالإنتاج والاستهلاك، ثم تصل إلى ما نفعله نحن بما يتبقى منها.
لم أرد أن أقول لهم فقط: لا تهدروا الورق.
كنت أريدهم أن يسألوا أنفسهم: لماذا نهدره أصلاً، ونحن نستطيع أن نستفيد منه أكثر من مرة؟
ومنذ ذلك اليوم… لاحظت حرصاً أكبر لدى الطلاب على دفاترهم وورقهم. لم يكن التغيير الذي رأيته مجرد استجابة لأمر أصدره المعلم، بل بدا لي أنه بدأ من فهم جديد لقيمة الأشياء التي اعتادوا التعامل معها بلا تفكير.
خلال الأسابيع الأربعة، نفذنا أنشطة مختلفة، وكان من بينها تنظيم معرض جمعنا فيه أشياء قديمة تحولت إلى أشياء جديدة. أردنا أن نظهر أن ما نعده نفايات ليس دائماً بلا قيمة وأن الخيال والعمل يستطيعان منح بعض الأشياء حياة أخرى.
كان المعرض امتداداً طبيعياً للفكرة الأولى: قبل أن ترمي شيئاً، فكر قليلاً. هل انتهت فائدته حقاً؟ هل يمكن إصلاحه أو إعادة استخدامه أو تحويله إلى شيء آخر؟
لقد أردت أن يتعلم الطلاب أن حماية البيئة ليست شعاراً نعلقه على جدار المدرسة ولا موضوعاً ندرسه ثم نتركه خلفنا عند انتهاء الحصة. إنها طريقة في التفكير والسلوك، تبدأ من تفاصيل حياتنا اليومية.

فلسفتي في التعليم
لم أتعلم كل ما أمارسه في الصف من الكتب الجامعية… ولم أتعامل مع الطلاب باعتبارهم مجموعة من العقول التي ينبغي ملؤها بالمعلومات. لقد تعلمت الكثير من التعامل معهم… من مراقبة ردود أفعالهم ومن محاولة فهم الطريقة التي يفكرون بها.
أؤمن بأن الطالب يستطيع أن يتعلم عندما يشعر بالأمان وأن الخطأ لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى مناسبة للعقاب أو الإحراج. فالمعلم في نظري… ليس مجرد صاحب سلطة، بل هو أب وصديق وزميل في رحلة التعلم، مع احتفاظه بمسؤوليته وحزمه عندما يتطلب الموقف ذلك.
أحاول دائماً أن أترك للطلاب مساحة للتفكير… المشاركة واكتشاف النتائج بأنفسهم. فهناك فرق بين أن أخبر الطالب بأن المحافظة على البيئة أمر مهم وأن أساعده على اكتشاف الأسباب التي تجعله يؤمن بأهمية ذلك.
قد ينسى الطالب معلومة شرحناها في إحدى الحصص، لكن تجربة عاشها بنفسه… وشارك في بنائها ورأى أثرها في حياته اليومية… قد تبقى معه مدة أطول.
لهذا، لم يكن هدفي من مشروع حماية البيئة أن يعرف الطلاب المزيد عن الورق والأشجار فحسب، بل أن يدركوا أن لكل تصرف، مهما بدا صغيراً، أثراً يتجاوز اللحظة التي يحدث فيها.
فورقة واحدة قد تبدو بلا أهمية، لكن عندما نكرر الفعل نفسه آلاف المرات، ثم ملايين المرات، يتغير حجم المشكلة.
وكذلك الأمر في الحلول… قد يبدأ التغيير من طالب واحد… من قرار بسيط وعادة صغيرة تتغير، ثم ينتقل الأثر الإيجابي إلى الآخرين.
أؤمن بأن دور المعلم ليس أن يمنح الطلاب جميع الإجابات، بل أن يساعدهم على طرح الأسئلة التي تجعلهم يرون العالم بصورة أعمق، ويتحملون مسؤولية أكبر تجاهه.
فالتعليم الحقيقي، بالنسبة إلي، لا يقاس فقط بما يتذكره الطالب من دروسه، بل بما يحمله معه من وعي وبما ينعكس من ذلك الوعي على تصرفاته.
في نهاية المطاف، ربما لا نستطيع أن نغير العالم كله داخل غرفة صفية، لكننا نستطيع أن نساعد إنسانًا واحدًا على تغيير نظرته إلى العالم.
وأحياناً… يبدأ كل ذلك بورقة صغيرة….

قد يعجبك ايضا
∧