محمد علي محيي الدين
في زمن كانت فيه المعلومة تُنقش بصعوبة على الورق، وتُجمع شتاتها من مدن ودوائر وسجلات متفرقة، برز اسم الياهو دنكور بوصفه واحدًا من أبرز روّاد النهضة الطباعية في العراق، ورجلًا حمل على عاتقه مهمة تبدو اليوم بديهية، لكنها آنذاك كانت مشروعًا معرفيًا ضخمًا: جمع العراق في كتاب.
وُلد الياهو دنكور في بغداد عام 1885 في أسرة معروفة بالعلم الديني والتجارة، إذ كان والده الحاخام الأكبر عزرا دنكور من الشخصيات الدينية البارزة في الوسط اليهودي البغدادي، رجلًا عُرف بالورع والمعرفة، وبأنه كان يميل إلى خدمة الناس أكثر من التمسك بالمناصب، وقد نشأ ابنه في بيئة تجمع بين الثقافة الدينية والانفتاح على التجارة والعالم الخارجي، وهو ما انعكس لاحقًا على شخصيته العملية.
في شبابه، رافق والده في أسفار تجارية وتعليمية إلى الهند وتايلند، فاطلع مبكرًا على عوالم متعددة، قبل أن يعود إلى بغداد وينخرط في العمل التجاري، لكنه سرعان ما وجد في عالم الطباعة والورق والمطابع شغفه الحقيقي، فكان من أوائل من ساهموا في تحديث أدوات النشر، وتطوير المطابع في بغداد في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
لم يكن دنكور مجرد تاجر أو مشرف على مطبعة، بل كان عقلًا تنظيميًا يواكب التحولات الحديثة، فأسهم في إدخال آلات الطباعة وتوسيع استخدام الورق، وكان من كبار المتعاملين في هذا المجال، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بصناعة الكتاب في العراق، وشارك في طباعة مئات الكتب، خاصة الكتب المدرسية والمنهجية التي احتاجتها المؤسسات التعليمية الناشئة آنذاك.
كما أصدر جريدة “الدليل الاقتصادي”، وكُلف لاحقًا بإصدار “الدليل العراقي” لعام 1936، وهو العمل الذي سيُعد لاحقًا واحدًا من أهم الموسوعات التوثيقية في تاريخ العراق الحديث. لم يكن ذلك الدليل مجرد كتاب، بل كان مشروعًا وطنيًا شاملًا، امتد إلى أكثر من ألف ومئتي صفحة، حاول أن يرسم صورة كاملة للعراق في تلك المرحلة، من الدولة ومؤسساتها، إلى المجتمع وتفاصيله الدقيقة.
في صفحات ذلك الدليل، يمكن للقارئ أن يعبر تاريخ العراق السياسي والإداري، وأن يطّلع على نظام الحكم، والبلاط الملكي، والوزارات، والجيش، والقضاء، والمالية، والصحة، والتعليم، والمواصلات، والبريد، والزراعة، والصناعة، وصولًا إلى تفاصيل الحياة اليومية: الأسواق، المهن، الحرف، المقاهي، المطابع، المصارف، والجمعيات، وكأن العراق كله قد أُعيد ترتيبه داخل كتاب واحد.
ولم يغفل الدليل التنوع الاجتماعي والديني في البلاد، إذ تناول الطوائف العراقية المختلفة من يهود ومسيحيين وإيزيديين وصابئة، كما وثّق العوائل والشخصيات والوظائف والمهن، حتى بدا وكأنه سجل حيّ لذاكرة بلد كامل في لحظة تاريخية دقيقة من تشكله الحديث.
ويُعد هذا العمل اليوم من أهم المراجع في دراسة العراق الملكي، ليس فقط لغزارة معلوماته، بل لكونه صادرًا من شخص عاش تفاصيل المجتمع من الداخل، وامتلك خبرة تجارية وتقنية وثقافية مكّنته من جمع هذا الكم الهائل من البيانات وتنظيمها في صورة موسوعية متماسكة.
أما في ما يتعلق بسيرته الشخصية، فقد بقي الياهو دنكور في العراق حتى سبعينيات القرن العشرين، رغم موجات الهجرة التي شهدتها البلاد، ولم يغادر إلا عام 1973 متجهًا إلى لندن، حيث أمضى سنواته الأخيرة، وتوفي هناك بعد ثلاث سنوات من مغادرته، تاركًا وراءه إرثًا وثائقيًا لا يزال يُعد مرجعًا لا غنى عنه في تاريخ العراق الحديث.
إن الياهو دنكور لم يكن مجرد اسم في تاريخ الطباعة، بل كان مشروع ذاكرة وطنية مبكر، حاول أن يضع العراق كله بين دفتي كتاب، في زمن لم تكن فيه أدوات التوثيق قد اكتملت بعد، فكان عمله أشبه بمحاولة لإنقاذ صورة بلدٍ كامل من النسيان، عبر الحبر والورق.