فيصل لعيبي في بابل.. استعادة فنان وقراءة تجربة

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليست عودة الفنان التشكيلي العراقي فيصل لعيبي إلى العراق، بعد نحو خمسة عقود من مغادرته، مجرد رحلة عودة إلى المكان الأول، ولا مشاركة عابرة في مهرجان ثقافي، بل هي مناسبة لاستعادة تجربة فنية حملت ملامح العراق وذاكرته الإنسانية إلى فضاءات الغربة، وظلت، على امتداد سنوات طويلة، جزءاً من المشهد التشكيلي العراقي والعربي، على الرغم من المسافات التي فصلت الفنان عن وطنه.
إن عودة لعيبي، بوصفه أحد الأسماء البارزة في الفن التشكيلي العراقي والعالمي، تفتح باباً للتأمل في العلاقة المعقدة بين الفنان ووطنه، وبين المنفى والذاكرة، وبين الجغرافيا التي يغادرها الإنسان والصورة التي يحملها معه أينما ارتحل. فالفنان لا يغادر المكان تماماً؛ إذ تبقى الأزقة والوجوه والعادات والتفاصيل اليومية كامنة في ذاكرته، لتتحول، بمرور الزمن، إلى عناصر بصرية ورموز تتجدد داخل أعماله.

ويحمل وصول فيصل لعيبي إلى بابل، للمشاركة في الدورة الثالثة عشرة من مهرجان بابل للثقافات العالمية، دلالة تتجاوز حدود الاستضافة الفنية. فبابل، بما تختزنه من تاريخ حضاري وإنساني، تبدو مكاناً ملائماً لاستقبال فنان ارتبط مشروعه الإبداعي بالبحث في الهوية والإنسان والذاكرة، وبمحاولة التعبير عن خصوصية البيئة العراقية ضمن لغة تشكيلية تتجاوز الحدود المحلية.
إن أهمية هذه العودة لا تكمن في حضور الفنان شخصياً فحسب، بل في إتاحة الفرصة أمام الجمهور العراقي للتعرف عن قرب على تجربته، والوقوف على ملامح مشروعه الفني الذي امتد لعقود. فتقديم مجموعة من أعماله التشكيلية، إلى جانب الندوة المخصصة للحديث عن مسيرته، يمنحان هذه المشاركة قيمة ثقافية حقيقية، إذا ما جرى التعامل معها بوصفها فرصة للحوار والنقد وقراءة التحولات التي شهدها الفن العراقي، لا مجرد مناسبة للاحتفاء باسم فني معروف.
لقد عانى الفن العراقي، مثلما عانت الثقافة العراقية عموماً، من خسارات كبيرة بفعل الحروب والاضطرابات السياسية والهجرة وتراجع المؤسسات الثقافية. وغادر عدد من المبدعين وطنهم بحثاً عن فضاءات أكثر اتساعاً للعمل والحياة، لكن ابتعادهم الجغرافي لم يكن بالضرورة انقطاعاً عن قضايا بلدهم. وفي هذا السياق، تكتسب عودة لعيبي معناها الإنساني والثقافي؛ فهي تذكير بأن المبدعين الذين فرقتهم الظروف عن بلادهم يظلون جزءاً من تاريخها الثقافي، وأن استعادة حضورهم تتطلب أكثر من استقبال رسمي أو احتفاء إعلامي.
لعل السؤال الذي تطرحه هذه المناسبة هو: ماذا أعددنا للفنان العراقي العائد، وللفنانين الذين ما زالوا يعيشون خارج وطنهم؟ وهل نمتلك مؤسسات ثقافية قادرة على احتضان تجاربهم، وتوثيق منجزهم، وإتاحة أعمالهم للأجيال الجديدة؟ إن الاحتفاء الحقيقي بالمبدع لا ينتهي بانتهاء المهرجان، بل يبدأ حين تتحول المناسبة إلى مشروع ثقافي مستدام، يقوم على إقامة المعارض، وتنظيم الندوات النقدية، ونشر الدراسات، وإنشاء الأرشيفات الفنية التي تحفظ الذاكرة من الضياع.
إن مهرجان بابل للثقافات العالمية، وهو يستضيف فيصل لعيبي ونخبة من الأسماء الثقافية والفنية، مدعو إلى أن يجعل من هذه العودة فرصة لإعادة الاعتبار للفن بوصفه ضرورة اجتماعية ومعرفية، لا ترفاً مؤقتاً. فالثقافة ليست زينة للمناسبات، وإنما إحدى الوسائل التي يستعيد بها المجتمع وعيه بذاته، ويعيد النظر في تاريخه، ويفتح نوافذ للحوار بين الأجيال والثقافات.
بعد خمسة عقود، يعود فيصل لعيبي إلى العراق، حاملاً تجربته وأسئلته وذاكرته الفنية. لكن الأهم من عودة الفنان هو أن يجد المكان الذي غادره قادراً على الإصغاء إليه، وعلى قراءة تجربته بعيداً عن المجاملة، وأن تتحول هذه العودة إلى جسر يصل ما انقطع بين المبدع وجمهوره. فالأوطان لا تستعيد أبناءها بمجرد وصولهم إلى مطاراتها، بل حين تمنحهم المكانة التي يستحقونها، وتحفظ منجزهم، وتتيح لأعمالهم أن تعيش في الذاكرة العامة.
مرحباً بفيصل لعيبي في العراق وبابل؛ فعودة الفنان ليست عودة جسد إلى المكان فحسب، بل عودة جزء من الذاكرة الثقافية إلى وطنه.

قد يعجبك ايضا
∧