محمد علي محيي الدين
يُعدّ جودي كاظم الفتّال واحداً من الأصوات التي أسهمت في ترسيخ تقاليد المقام العراقي في بغداد خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فقد ارتبط اسمه بالأداء الأصيل، والذائقة الرفيعة، والالتزام بالمدرسة البغدادية التي حافظت على نقاء المقام وأصوله، حتى غدا من القرّاء الذين حفظ لهم تاريخ هذا الفن مكانة متميزة بين أعلامه.
وُلِد جودي بن كاظم الفتّال سنة 1851 في محلة العوينة ببغداد، وهي إحدى المحلات العريقة التي عُرفت بحراكها الاجتماعي والثقافي، وكان لها نصيب في احتضان عدد من أصحاب المواهب الفنية والأدبية. وفي أجواء هذه المدينة التي كانت تعيش على إيقاع المقام والموشحات والإنشاد، نما ميله إلى الغناء المقامي، فانبهر منذ طفولته بهذا الفن، وأخلص له إخلاصاً كبيراً حتى أصبح محور حياته ووسيلته للتعبير عن إحساسه المرهف.
ولم يكتفِ بحبه الفطري للمقام، بل سعى إلى تلقي أصوله على أيدي كبار أساتذته، فتتلمذ على يد قارئ المقام الشهير جاسم بن حمد، المعروف بلقب أبي حميد، الذي كان من أبرز أعلام المقام في عصره. وقد أفاد تلميذه من خبرته الطويلة، فتعلم منه دقائق الأداء، وأسرار الانتقال بين الأنغام، وأصول المحافظة على شخصية كل مقام، حتى تمكن بعد سنوات من أن يصوغ لنفسه أسلوباً يميزه بين معاصريه.
واشتهر جودي كاظم بإجادته طائفة واسعة من المقامات العراقية، فكان يؤدي مقام الحسيني، والمنصوري، والجبوري، والشرقي رست، والحكيمي، والراشدي، والصبا، والمسچين، وغيرها من المقامات التي تتطلب تمكناً صوتياً وخبرة فنية واسعة. وقد امتاز أداؤه بالرصانة والهدوء، مع عناية فائقة بإبراز الجوانب التعبيرية للمقام، الأمر الذي أكسبه احترام أهل الفن وتقدير المستمعين الذين وجدوا في صوته صورة صادقة للمدرسة البغدادية الأصيلة.
وكان جودي كاظم شديد الحرص على المكانة التي يمنحها لفنه، فلم يكن من القراء الذين يلبون الدعوات إلى كل مجلس أو محفل، بل كان ينتقي الأماكن التي يغني فيها بعناية، مفضلاً المجالس الخاصة التي تضم نخبة من أهل الذوق والمعرفة. وقد أتاح له هذا النهج أن يحافظ على هيبة حضوره، وأن يجعل من كل مشاركة فنية مناسبة ينتظرها محبو المقام بشغف وتقدير.
وتروي المصادر أن صيته بلغ أوساط الوجهاء والأعيان في بغداد، حتى أصبح المغني الخاص للوجيه البغدادي المعروف السيد محمد رؤوف الچوربچي، وهو ما يكشف عن المكانة الاجتماعية والفنية التي بلغها، إذ كان أداء المقام في تلك المجالس الخاصة يعد دليلاً على رفعة المنزلة والثقة بقدرات الفنان، فضلاً عن كونه شهادة على جودة صوته وتمكنه من هذا الفن العريق.
وقد عاش جودي كاظم الفتّال زمناً شهد فيه المقام العراقي ازدهاراً كبيراً، وأسهم مع أبناء جيله في المحافظة على تقاليده الشفوية قبل ظهور وسائل التسجيل الحديثة وانتشارها، فكان أداؤه حلقة من حلقات السلسلة التي حفظت هذا التراث وانتقل بفضلها إلى الأجيال اللاحقة. ولم يكن المقام بالنسبة إليه مجرد لون من ألوان الغناء، بل كان تعبيراً عن هوية بغداد الثقافية، ووعاءً يحمل ملامحها الاجتماعية والوجدانية.
ورحل جودي كاظم الفتّال سنة 1935، بعد أن ترك سيرة فنية تستحق الذكر في تاريخ المقام العراقي، وظل اسمه مرتبطاً بالأداء الرصين والمجالس الأدبية الراقية التي ازدهرت في بغداد آنذاك. وقد حفظت المصادر المتخصصة جانباً من أخباره، ومن بينها ما أورده الباحث ثامر عبد الحسن العامري في كتابه المقام العراقي، الذي نقل معلومات عن سيرته، وتلمذته على يد جاسم بن حمد، وإجادته للمقامات، وعلاقته بالوجيه البغدادي السيد محمد رؤوف الچوربچي، لتبقى هذه الشهادة مصدراً مهماً في التعريف بأحد الأصوات التي كان لها دور في صيانة التراث المقامي العراقي وإغنائه.