نبيل عبد الأمير الربيعي
من خلال متابعتي لإصدارات المفكر عالم سبيط النيلي، تكوّن لديّ اهتمام خاص بتجربته الفكرية، ولا سيما كتاباته التي انشغل فيها باللغة والدراسات القرآنية في أواخر تسعينيات القرن الماضي. وقد أثارت هذه الكتابات اهتمامي لما تنطوي عليه من محاولة جريئة للربط بين المسائل اللغوية والنص القرآني، وما تطرحه من آراء غير مألوفة تدفع القارئ إلى إعادة النظر في عدد من المسلّمات التي استقرت طويلًا في الدرس اللغوي.
ينتمي عالم سبيط النيلي إلى تلك النماذج العراقية التي يصعب حصرها في اختصاص واحد؛ فقد جمع بين الاهتمام باللغة والتراث والتاريخ والدراسات القرآنية والفكر، ولم يكن مساره المعرفي تقليدياً أو مستقيماً، بل اتسم بالتنوع والبحث عن مناطق التداخل بين العلوم.

ولد النيلي في ناحية النيل بمحافظة بابل عام 1956، ونشأ في بيئة عائلية لها حضورها الاجتماعي والثقافي. وقد ارتبط اسمه بمكانه الأول، فأصبح (النيلي) علامة على الانتماء إلى تلك البيئة البابلية التي ظل حاضراً فيها حتى بعد أن اتسعت دائرة اشتغاله الفكري.
درس في الحلة، ثم واصل تحصيله العلمي، وحصل على الماجستير في الهندسة الإلكترونية في جامعة أوديسا في أوكرانيا عام 1979، كما حصل على دبلوم عالٍ في الترجمة. وهذه الخلفية العلمية تبدو ذات أهمية عند قراءة مشروعه لاحقاً؛ إذ يمكن ملاحظة نزوع واضح لديه إلى البحث عن النظام والعلاقات الداخلية والقوانين التي تنتظم الظواهر، حتى عندما انتقل من المجال العلمي إلى اللغة والنص الديني.
رحل عالم سبيط النيلي في 18 آب 2000، وهو لم يتجاوز الرابعة والأربعين من عمره، تاركاً وراءه عدداً من المؤلفات والبحوث التي أثارت اهتماماً واسعاً، فضلاً عن مشروع لم تتح له السنوات فرصة تطويره بالقدر الذي كان يمكن أن يبلغه.
ولم يكن الاهتمام به بعد رحيله عابراً؛ فقد أقام اتحاد أدباء بابل ندوة تناولت نظريته، واستمرت ثلاثة أمسيات متتالية، في تجربة لافتة في تاريخ الاتحاد. كما تناول تجربته عدد من الكُتاب والصحفيين والباحثين، وهو ما يكشف أن الرجل لم يكن اسماً هامشياً في المشهد الثقافي البابلي، بل ظاهرة فكرية استوقفت عدداً من المثقفين.
لذلك يبدو وصف الراحل الدكتور صباح نوري المرزوك لعالم سبيط النيلي بأنه واحد من (الظواهر الكونية المتعددة والمتنوعة) وصفاً يستحق التأمل؛ ليس لأنه يضعه فوق النقد، وإنما لأنه يشير إلى طبيعة تجربته المركبة وتعدد حقول اهتمامه. من هنا يبدو مدخل المثقف بوصفه فاعلاً اجتماعياً مناسباً لتجربة النيلي؛ لأن الرجل لم يكن مطمئناً إلى المقولات الجاهزة، بل كان ميالاً إلى إعادة تركيب الأسئلة، والبحث عن علاقات جديدة بين اللغة والدين والتاريخ والإنسان.
تبقى إشكالية تغليب الأيديولوجيا على أدوات المثقف المعرفية واحدة من القضايا التي عاشها المثقف العراقي طويلاً في ظل الأنظمة الشمولية التي حاولت إخضاع الثقافة لسلطة الخطاب السياسي. وفي هذا السياق يمكن قراءة تجربة النيلي بوصفها محاولة للحفاظ على استقلال السؤال الفكري، حتى في ظروف سياسية وثقافية لم تكن تسمح بمساحة واسعة للاختلاف.
عرفَ عالم سبيط النيلي مفكراً وباحثاً في اللغة والنص القرآني، كما عرف شاعراً من خلال نصوصه الشعرية التي تكشف وجهاً آخر من شخصيته؛ وجهاً أكثر اقتراباً من التجربة الروحية والوجدانية. ففي نصوص مثل (الشبح العاري) تظهر ثنائية الوهم والحقيقة، والظاهر والمستور، والإنذار الذي (لا يجد أذناً تصغي إليه. وحين يقول:
لم يعد في نصحك لي نفع
ولن أكتب شعرًا رمزياً
لا… لن أفعل)
فإننا أمام شاعر يبدو كأنه يعلن تمرده على أدوات التعبير التقليدية، بعد أن فقدت الرموز قدرتها على إيقاظ مجتمع اعتاد الخدر. وتتكرر في النصوص ثنائية المقدس والمدنس؛ فهناك عالم الأنبياء والأوصياء والشهداء والمريدين والقديسين، في مقابل عالم الشياطين والمردة والمنافقين والجناة والمرابين واللصوص. وهذه الثنائية ليست مجرد تقسيم أخلاقي للعالم، وإنما تبدو جزءاً من البنية العميقة التي تحكم رؤية النيلي للوجود.
في نص (ناحر) يقترب النيلي من سؤال الموت، لا باعتباره نهاية بيولوجية فحسب، بل بوصفه قدراً إنسانياً محاطاً بالخوف والغدر والمصير. أما في نص (وحي)، فتبدو المسافة بين الإنسان والحقيقة أكثر تعقيداً. فالمدينة الظالمة لا تمنع الإنسان من الحركة فقط، بل تحاول أن تصادر حقه في التفكير والبحث وقول الحقيقة.
وعندما يقول: (وأحس أن فمي في فم الحقيقة)، فإن العبارة تختصر جانباً من التجربة الروحية للنيلي؛ إذ تتحول الحقيقة من مفهوم مجرد إلى حضور يسعى الإنسان إلى الاقتراب منه، حتى يصبح البحث عنها فعلًا وجودياً. وفي نص (فاعل… الحالم الآخر) تتقدم لغة الأمر: (كن). وهي صيغة تكشف عن إرادة المواجهة والتحول، وتمنح النص بعداً عرفانياً يتجاوز حدود القصيدة إلى سؤال الإنسان عن قدرته على تجاوز ضعفه. أما نص (غافر)، فيدفع هذه التجربة إلى منطقة أكثر كثافة؛ حيث يتداخل الإنسان بالكون، وتتحول الذات إلى كائن يحاول اختراق الحجب والاقتراب من المطلق. وهنا تكمن إحدى أهم خصائص شعر النيلي؛ فهو لا يكتب القصيدة باعتبارها لعبة لغوية مستقلة، بل باعتبارها امتدادًا لسؤاله الفكري والروحي.
إذا كان الشعر يكشف لنا عن الجانب الوجداني والعرفاني في شخصية النيلي، فإن مشروعه في اللغة يكشف عن عقل يبحث عن النظام الكامن خلف الظواهر. لقد حاول النيلي أن يعيد النظر في العلاقة التقليدية بين اللفظ والمعنى، وأن يجعل القصدية مدخلاً أساسياً لفهم اللغة. فاللفظ عنده لا يتحرك في فراغ، والدلالة ليست شيئاً ثابتاً خارج السياق؛ بل هناك علاقة بين القصد والبنية والصوت والسياق والمعنى. من هنا يمكن فهم اهتمامه بما يمكن أن نسميه (المعنى السابق على التركيب)، أو القيمة الدلالية التي يبحث عنها في الأصوات قبل أن تنتظم في كلمات وجمل.
قد نختلف مع بعض فرضياته، وقد نجد أن بعضها يحتاج إلى أدلة لغوية أكثر صرامة، لكن هذا لا يلغي قيمة السؤال الذي طرحه. فالفكر لا يتقدم دائماً عبر الإجابات الصحيحة وحدها، وإنما يتقدم أيضاً عبر الأسئلة التي تجبرنا على مراجعة ما اعتدنا اعتباره بديهياً.
في تعامله مع النص القرآني، حاول النيلي الابتعاد عن بعض القوالب التقليدية، والبحث عن العلاقات الداخلية بين المفردات والمفاهيم، وعن النظام الذي يحكم النص من داخله. وهنا تكمن أهمية تجربته النقدية؛ فهو لم يتعامل مع القرآن بوصفه مجموعة من المفردات المنفصلة، بل حاول البحث عن شبكة العلاقات التي تمنح المفردة معناها داخل البناء الكلي للنص.
كما أن اهتمامه بملحمة جلجامش وعلاقتها بالنص القرآني يعكس نزوعاً إلى إقامة جسور بين الموروث الرافديني والنص الديني. وهذه محاولة جديرة بالدراسة، شرط أن تعامل بوصفها فرضيات وأسئلة قابلة للبحث والتحليل، لا بوصفها نتائج نهائية لا تقبل النقاش. وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى قراءة أكاديمية متأنية لمشروع النيلي؛ قراءة لا تبدأ من التسليم بصحة كل ما قاله، ولا تنتهي إلى رفضه لأنه خرج عن المألوف.
إن أكثر ما يحتاجه عالم سبيط النيلي اليوم ليس المزيد من المديح، وإنما المزيد من القراءة. فقد رحل مبكراً، ولم تتح له فرصة تأسيس مدرسة فكرية تواصل اختبار أفكاره، كما لم تتح له حياة طويلة تمكنه من مراجعة بعض فرضياته أو تطوير بعضها الآخر. ولذلك بقي مشروعه مفتوحاً على التأويل، وفي بعض جوانبه بحاجة إلى إعادة التحقيق والتوثيق والمقارنة. والإنصاف الحقيقي لعالم سبيط النيلي لا يكون بتحويله إلى عبقرية معصومة من النقد، كما لا يكون بتجاهله لأنه قال أفكاراً غريبة أو غير مألوفة. من الإنصاف أن نضع مشروعه على طاولة البحث: نقرأه كاملاً، ونفكك مفاهيمه، ونقارنها باللسانيات الحديثة، ونختبر فرضياته اللغوية، ونضع قراءاته للنص القرآني في سياق تاريخ التأويل والدراسات النصية. كما ينبغي التمييز بين ما هو فرضية لغوية قابلة للاختبار، واجتهاد فلسفي، وتأمل عرفاني، وتأويل للنص الديني؛ لأن الخلط بين هذه المستويات قد يظلم المشروع بدل أن ينصفه.
يمثل عالم سبيط النيلي جانباً مهماً من الذاكرة الفكرية لبابل والعراق. وهذه الذاكرة لا ينبغي أن تتحول إلى سجل للأسماء والمواليد والوفيات والمؤلفات فحسب، بل ينبغي أن تستعيد الأسئلة التي طرحها أصحابها. ومن هنا تأتي أهمية كتاب جبار الكواز (عالم سبيط النيلي.. نصوص)؛ فهو لا يعيد إلينا نصوصاً شعرية فحسب، وإنما يفتح نافذة على منطقة ظلت بعيدة عن التداول في تجربة النيلي، ويمنح الباحث فرصة لرؤية العلاقة بين المفكر والشاعر، وبين العقل والوجدان، وبين الرؤية والرؤيا.
لعل أجمل ما يمكن أن نفعله تجاه عالم سبيط النيلي هو أن نختلف معه بجدية، وأن نقرأه بلا خوف، وأن نمنحه حقه في السؤال والنقد والمراجعة. فالمفكر الحقيقي لا يعيش بكثرة المديح الذي يقال فيه، ولا بعدد الذين يصفونه بالعبقرية، وإنما يعيش حين تبقى أفكاره قادرة على إزعاج اليقين السائد، وإعادة فتح الأبواب التي ظن الناس أنها أُغلقت نهائياً. وعالم سبيط النيلي، بعد أكثر من عقدين ونصف على رحيله، ما زال يملك هذه القدرة: أن يجعلنا نختلف، وأن يجعلنا نبحث، وأن يعيدنا من الإجابة الجاهزة إلى السؤال. وهذا، في النهاية، هو الامتحان الأصدق لأي مشروع فكري.