رفعت الجادرجي.. حين تصبح العمارة ذاكرةً وهويةً وفكراً

نبيل عبد الأمير الربيعي

لم تكن العمارة عند رفعت الجادرجي مجرد مهنة تنتهي عند حدود المخططات والخرسانة والطابوق، ولم يكن المعمار في نظره مجرد مهندس يرسم واجهات المباني ويحسب أبعادها. كانت العمارة بالنسبة إليه فعلاً ثقافياً وفكرياً، ومحاولة دائمة لفهم الإنسان والمكان والزمن، وصياغة علاقة متوازنة بين الحداثة والذاكرة.
لهذا ظل اسم رفعت الجادرجي واحداً من أكثر الأسماء حضوراً وتأثيراً في تاريخ العمارة العراقية والعربية خلال القرن العشرين، ليس بسبب المباني التي صممها فحسب، وإنما بسبب الأسئلة التي أثارها حول معنى العمارة، وعلاقتها بالمجتمع والتراث والهوية، وحول قدرة المكان العراقي على إنتاج حداثته الخاصة بدل استيرادها جاهزة من الخارج.
ولد الجادرجي في بغداد عام 1926، ونشأ في بيت عرف السياسة والثقافة والعمل العام. وكان والده كامل الجادرجي من الشخصيات السياسية العراقية البارزة، ومن مؤسسي الحزب الوطني الديمقراطي، كما ارتبط اسمه بالحياة الصحفية والمدنية في العراق. وفي مثل هذه البيئة، تشكل وعي مبكر لدى رفعت بأهمية الشأن العام، وبأن الثقافة لا يمكن فصلها عن المجتمع وتحولاته السياسية والتاريخية.

بعد إنهاء دراسته في العراق، اتجه إلى بريطانيا لدراسة العمارة، فالتحق بمدرسة هامرسمث للفنون والحرف في لندن بين عامي 1946 و1952. وكانت سنوات الدراسة هناك فرصة للاطلاع المباشر على التحولات الكبرى التي كانت تشهدها العمارة العالمية، ولا سيما صعود الحداثة واتجاهاتها الجديدة، لكنه لم يعد إلى العراق بوصفه ناقلًا لنماذج غربية جاهزة، بل عاد وفي ذهنه سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن أن تكون للعراق عمارة حديثة تنتمي إلى عصرها، وفي الوقت نفسه لا تنكر تاريخها؟
هنا تكمن إحدى أهم خصائص تجربة الجادرجي، فهو لم يتعامل مع التراث باعتباره متحفاً ينبغي نسخه، كما لم ينظر إلى الحداثة بوصفها قطيعة كاملة مع الماضي. كان يبحث عن منطقة وسطى، وعن إمكانية استعادة روح العناصر المحلية وإعادة تفسيرها ضمن لغة معمارية جديدة. ولهذا برز في أعماله حضور واضح للطابوق العراقي، ليس باعتباره مادة بناء فحسب، وإنما عنصراً جمالياً وذاكرة بصرية تنتمي إلى البيئة العراقية. كما استفاد من بعض خصائص العمارة البغدادية التقليدية، ومن بينها الشناشيل والعلاقة بين الظل والضوء والخصوصية والانفتاح على الفضاء، لكنه لم يكن يسعى إلى إعادة إنتاج البيت العراقي القديم بحذافيره، وإنما إلى تحويل بعض مبادئه إلى مفردات معاصرة. كان يريد أن يقول إن الحداثة ليست بالضرورة أن تأتي من مكان آخر، وإن العراق يمتلك في تاريخه المعماري والاجتماعي ما يسمح له بأن يبني حداثته الخاصة.
من الصعب قراءة تجربة الجادرجي بمعزل عن بغداد والعراق في مرحلة التحولات الكبرى التي أعقبت منتصف القرن العشرين. فقد كانت البلاد آنذاك تبحث عن صورة جديدة لدولتها ومدنها ومؤسساتها، وكانت العمارة إحدى الوسائل التي عبّرت عن ذلك التحول. في هذا السياق أسس الجادرجي، مع عدد من المعماريين، المكتب الاستشاري العراقي، وانخرط في تصميم مجموعة من المشاريع التي أصبحت لاحقاً جزءاً من ذاكرة المدن العراقية. ولم تكن تجربته محصورة في الجانب التصميمي، فقد تولى عدداً من المسؤوليات المهنية والإدارية، من بينها إدارة هيئة الإسكان في وزارة الإعمار في أواخر خمسينيات القرن الماضي، ورئاسة هيئة التخطيط في وزارة الإسكان في بداية الستينيات، كما عمل مستشاراً لأمانة العاصمة بغداد في مرحلة لاحقة. وهذه المواقع تكشف أن اهتمامه لم يكن بالمبنى منفرداً، وإنما بالتخطيط والعمران ومستقبل المدينة أيضاً.
لقد كان يرى المدينة بوصفها كائناً حياً، تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والثقافة والحياة اليومية، وأن المعمار لا يستطيع أن يتجاهل هذه العناصر إذا أراد أن ينتج عمارة ذات معنى. ويبقى نصب الحرية في بغداد واحداً من أشهر الأعمال المرتبطة باسم رفعت الجادرجي، وإن كان المشروع ثمرة تعاون إبداعي مع الفنان الكبير جواد سليم. وهنا ينبغي التمييز بين دور كل منهما؛ فجواد سليم هو صاحب التكوين الفني للنصب، بينما تولى الجادرجي الجانب المعماري والتنفيذي المتعلق بتحويل الفكرة الفنية إلى بناء قائم في الفضاء الحضري. لكن أهمية النصب تجاوزت حدود العمل الفني والمعماري. فقد تحول مع مرور الزمن إلى علامة من علامات بغداد، وإلى فضاء ارتبط بالاحتجاجات والمظاهرات والحراك السياسي والمدني، حتى أصبح المكان جزءاً من الذاكرة السياسية للعراقيين. وهذه واحدة من المفارقات الجميلة في تاريخ العمارة: فقد يتحول المبنى أو النصب، بعد عقود من إنجازه، إلى شيء أكبر بكثير من نية مصمميه الأولى. يصبح جزءاً من الذاكرة الجمعية، وتعيد الأجيال اكتشافه وتمنحه معاني جديدة. وهكذا لم يعد نصب الحرية مجرد عمل فني في ساحة التحرير، بل صار شاهداً على تاريخ العراق الحديث، وعلى أحلام العراقيين بالحرية والعدالة والدولة المدنية.
مبانٍ واجهت قسوة التاريخ
ترك الجادرجي بصمته في عدد من المشاريع المهمة، ومنها مبنى شركة التأمين الوطنية في الموصل الذي أنجز عام 1966، ومبنى دائرة البريد المركزية في بغداد الذي اكتمل في سبعينيات القرن الماضي. غير أن مأساة العمارة العراقية لا تنفصل عن مأساة العراق نفسه. فكثير من المباني التي شُيدت في مراحل ازدهار العراق تعرضت لاحقاً للإهمال أو القصف أو التخريب أو التدمير خلال الحروب والصراعات المتعاقبة. ومبنى شركة التأمين الوطنية في الموصل كان واحداً من ضحايا الحرب على تنظيم داعش، إذ دُمر خلال المعارك التي شهدتها المدينة. أما مبنى البريد المركزي في بغداد، فقد تعرض بدوره لأضرار وقصف خلال سنوات الحروب. وهكذا فإن دراسة تجربة الجادرجي لا تعني دراسة المباني التي بقيت قائمة فقط، بل تعني أيضاً استعادة ذاكرة المباني التي فقدها العراق. فاختفاء البناء لا يعني بالضرورة اختفاء قيمته التاريخية؛ إذ تبقى صورته ووثائقه وتصاميمه وشهادات من عاشوا حوله جزءًا من تاريخ المدينة.
من أهم ما يميز رفعت الجادرجي أنه لم يكتفِ بالممارسة المهنية، بل انشغل بالبحث والنظرية والكتابة. وقد ترك عدداً من الكتب والدراسات التي تكشف أن العمارة عنده كانت موضوعاً فلسفياً وفكرياً، لا مجرد ممارسة تقنية. ومن كتبه المعروفة (الأخيضر أو القصر البلوري) و(في سببية وجدلية العمارة)، إلى جانب دراسات ومحاضرات تناول فيها علاقة الشكل المعماري بالمجتمع والثقافة والتاريخ. كما حاضر ودرّس في مؤسسات وجامعات خارج العراق، من بينها جامعة هارفرد، الأمر الذي يعكس المكانة التي احتلتها تجربته في المشهد المعماري العالمي.
كان الجادرجي من المعماريين الذين أدركوا مبكراً أن العمارة لا يمكن اختزالها في الجمال الشكلي، وأن السؤال الأهم هو: لماذا يأخذ المبنى هذا الشكل؟ وما علاقته بالإنسان الذي يستخدمه؟ وما الذي يقوله عن المجتمع الذي أنتجه؟ ومن هنا جاءت أهمية كتاباته؛ لأنها لم تكن مجرد تبرير لمشاريعه، وإنما محاولة لبناء رؤية نظرية للعمارة وعلاقتها بالحياة.
التكريم العالمي
حظيت تجربة الجادرجي بتقدير مؤسسات معمارية دولية مهمة. فقد انتخب عضو شرف في المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين عام 1982، ومنحه المعهد الأمريكي للمعماريين عضوية شرفية عام 1987، كما حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة كوفنتري البريطانية. وفي عام 1986 حصل على جائزة آغا خان للعمارة، وهي من أبرز الجوائز العالمية في هذا المجال. ولم تكن هذه الجوائز مجرد تكريم لشخص، بل اعترافاً بتجربة معمارية استطاعت أن تقدم تصوراً مختلفاً للعلاقة بين الحداثة والبيئة والثقافة المحلية.
توفى رفعت الجادرجي في لندن عام 2020، عن عمر ناهز أربعة وتسعين عاماً، بعد حياة طويلة امتدت فيها تجربته بين العمارة والبحث والكتابة والعمل العام. فالمعماري الحقيقي لا يقاس بما تركه من مبانٍ فقط، وإنما بما تركه من أسئلة. والجادرجي ترك أسئلة كثيرة ما زالت صالحة للنقاش: كيف نبني مدينة عراقية حديثة؟ كيف نحافظ على الذاكرة من دون أن نقع في أسر الماضي؟ وكيف نستفيد من التراث من غير أن نحوله إلى زخرفة شكلية؟ وهل تستطيع العمارة أن تكون تعبيرًا عن هوية المجتمع من دون أن تتحول الهوية إلى قيد؟
لقد أدرك الجادرجي أن العراق ليس صفحة بيضاء يمكن أن ترسم عليها نماذج مستوردة، وأن بغداد ليست مدينة بلا ذاكرة. كانت لديه قناعة بأن العمارة العراقية تستطيع أن تدخل العصر الحديث وهي تحمل شيئًا من روح المكان، وأن الطابوق العراقي، والظل، والفراغ، والشناشيل، وخصائص المناخ، والمواد المحلية، ليست عوائق أمام الحداثة، بل يمكن أن تكون منطلقًا لها. ولذلك فإن قيمة رفعت الجادرجي لا تكمن فقط في المباني التي صممها، ولا في الجوائز التي حصل عليها، وإنما في كونه أحد الذين نقلوا النقاش حول العمارة العراقية من سؤال «كيف نبني؟» إلى سؤال أعمق: «أي عراق نريد أن نبني؟»
لعل العراق اليوم، وهو يواجه تحديات عمرانية وثقافية كبيرة، يحتاج إلى استعادة هذا السؤال أكثر من أي وقت مضى: هل نبني مدناً جديدة فقط، أم نبني مدناً تعرف من أين جاءت وإلى أين تريد أن تذهب؟ في هذا السؤال تحديداً، ما زال رفعت الجادرجي حاضراً.

قد يعجبك ايضا
∧