من جرس البداية إلى الميدان التربوي ، تربية وسط أربيل تضع جودة التعليم في صدارة العام الدراسي الجديد

الصحفي والمحامي عرفان الداوودي

مع انطلاق العام الدراسي الجديد 2026–2027 في إقليم كوردستان، عادت المدارس إلى استقبال طلبتها، وعاد معها السؤال الأهم: كيف يمكن أن يتحول العام الدراسي الجديد من مجرد بداية على التقويم إلى مرحلة حقيقية للارتقاء بمستوى التعليم، وتحسين البيئة المدرسية، ورعاية الطلبة، ومساندة المعلمين والإدارات المدرسية؟

فالتعليم لا يبدأ فقط عندما يدق جرس المدرسة، وإنما يبدأ من الإدارة التي تتابع، والمعلم الذي يؤدي رسالته، والمدرسة التي توفر بيئة مناسبة، والطالب الذي يجد من يرعاه ويشجعه، والمؤسسة التربوية التي تستمع إلى المشكلات وتعمل على معالجتها.

وفي هذا السياق، برزت خلال الأيام الأولى من العام الدراسي الجديد جولات ميدانية للسيدة ريزان محمد أمين، مديرة تربية الوسط في أربيل، شملت عدداً من المؤسسات والمدارس التربوية، في محاولة للوقوف ميدانياً على واقع العملية التعليمية، ومتابعة سير العمل، والاطلاع على احتياجات المدارس والطلبة.

وتأتي هذه المتابعة ضمن منظومة تربوية أوسع في إقليم كوردستان؛ إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن وزارة التربية تضم مديريات عامة لتربية محافظات أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة وكرميان، إلى جانب مديريات واختصاصات تتعلق بالإشراف التربوي والتقييم والامتحانات والتعليم الأساسي ورياض الأطفال والتخطيط التربوي وغيرها.

روضة حوار.. البداية من السنوات الأولى

كانت روضة حوار إحدى المحطات التي زارتها السيدة ريزان محمد أمين، للاطلاع على سير العمل في مجال التعليم والتنشئة، ومتابعة الأجواء التي يعيشها الأطفال في مرحلة تُعد من أهم المراحل في بناء شخصية الإنسان.

فالروضة ليست مكاناً لقضاء ساعات من اليوم فقط، وإنما هي المرحلة التي يبدأ فيها الطفل باكتشاف المدرسة، وتكوين علاقته الأولى مع المعلمة والكتاب والزملاء، واكتساب السلوكيات الاجتماعية الأولى.

ومن هنا، فإن الاهتمام برياض الأطفال يمثل استثماراً مبكراً في الإنسان، لأن الطفل الذي يجد بيئة تربوية آمنة ومحفزة في سنواته الأولى يكون أكثر قدرة على الانتقال إلى المراحل الدراسية اللاحقة بثقة واستعداد.

القرطاسية.. دعم مباشر للطالب

ولم تقتصر الجولة على الاطلاع والمتابعة، بل رافقتها مبادرات ذات طابع إنساني وتربوي، من بينها توزيع القرطاسية على الطلبة.

وقد تبدو القرطاسية للوهلة الأولى أمراً بسيطاً، لكنها بالنسبة إلى الطالب تمثل أداة أساسية للتعلم، كما أن توفيرها يبعث رسالة مفادها أن المدرسة والإدارة التربوية تنظران إلى احتياجات الطالب اليومية باعتبارها جزءاً من العملية التعليمية.

إن المدرسة الناجحة لا تكتفي بالمناهج والامتحانات، بل تهتم أيضاً بالتفاصيل التي تساعد الطالب على التعلم والاستمرار.

130 طالبة.. حين تتحول الجائزة إلى حافز

وفي إحدى المبادرات المدرسية السنوية، جرى توزيع جوائز على 130 طالبة، بحضور مدير ثانوية البنات درامان عزالدين، في خطوة تحمل بعداً تربوياً يتجاوز قيمة الهدية نفسها.

فالطالب المتفوق يحتاج إلى التقدير كما يحتاج إلى التعليم.

والتكريم المدرسي يمكن أن يتحول إلى حافز للطلبة والطالبات لمواصلة التفوق، كما يشجع الآخرين على بذل المزيد من الجهد.

وتضمنت المبادرة تقديم الهدايا والجوائز والملابس، بما يعكس فكرة أن المدرسة ليست مؤسسة للامتحانات فقط، وإنما فضاء تربوي واجتماعي يساهم في بناء شخصية الطالب وتعزيز ثقته بنفسه.

الجودة التربوية حاضرة في الميدان

وفي زيارة لثانوية فاناسي للبنات، حضرت أيضاً مسألة الجودة والإشراف التربوي، من خلال مشاركة السيد بشتيوان عثمان، المشرف الأول على ضمان الجودة والإشراف التربوي.

وهنا تبرز قضية جوهرية في التعليم الحديث: لا يكفي أن تكون المدرسة مفتوحة وأن تكون الحصص الدراسية قائمة، بل ينبغي أن تكون هناك متابعة لمستوى الأداء، وتقييم للعملية التعليمية، وتشخيص لمواطن القوة والضعف.

وضمان الجودة في التعليم يعني بصورة عملية أن تكون هناك متابعة مستمرة للمعلم، والإدارة، والمناهج، والامتحانات، والبيئة المدرسية، ومستوى الطلبة، مع تحويل الملاحظات إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ.

مدرسة كودوى الابتدائية.. الاستماع إلى أهل الميدان

ومن المحطات الأخرى زيارة مدرسة كودوى الابتدائية، حيث التقت السيدة ريزان محمد أمين بمدير المدرسة ومعلميها.

وهذه اللقاءات الميدانية تكتسب أهمية خاصة، لأن مدير المدرسة والمعلم هما الأقرب إلى تفاصيل العملية التعليمية اليومية.

فالمشكلات التي تظهر في الصفوف الدراسية قد لا تظهر دائماً في التقارير الإدارية، ولذلك فإن النزول إلى الميدان والاستماع المباشر إلى الإدارات والمعلمين يمكن أن يساعد في اكتشاف المشكلات بصورة أسرع ومعالجتها قبل أن تتفاقم.

جرس العام الدراسي.. لحظة تحمل أكثر من معنى
وفي مدرسة أربيل الابتدائية المختلطة، دُق جرس بدء العام الدراسي الجديد 2026–2027، إيذاناً بعودة الطلبة إلى مقاعد الدراسة.

وكانت هذه اللحظة امتداداً للمشهد الرسمي لانطلاق العام الدراسي في إقليم كوردستان، حيث قرع رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني جرس انطلاق العام الدراسي في مدرسة «غلوبال» بمدينة أربيل يوم 20 أيلول 2026، بالتزامن مع الإعلان عن إنجاز وافتتاح 36 مبنى جديداً لرياض الأطفال والمدارس الحكومية التابعة لوزارة التربية.

لكن جرس البداية، مهما كان رمزياً، لا يمثل سوى الخطوة الأولى.

فالاختبار الحقيقي يبدأ في اليوم التالي: هل تستمر المدارس بالعمل بالمستوى المطلوب؟ هل يحصل الطالب على حقه الكامل في التعليم؟ هل يحصل المعلم على الدعم؟ وهل تستطيع الإدارة التربوية معالجة المشكلات التي تظهر خلال العام؟

اجتماع مع رؤساء الأقسام ومديري المدارس

وفي إطار المتابعة الإدارية، عقدت السيدة ريزان محمد أمين اجتماعاً مع رؤساء الأقسام ومديري المدارس، بهدف تقديم التوجيهات العملية ومناقشة القضايا المرتبطة بسير العملية التربوية.

ومن بين الملفات التي حضرت في الاجتماع عملية الامتحانات، والتوضيحات الفنية، ومعالجة المشكلات التي يمكن أن تواجه المدارس.

وهذه القضية على درجة كبيرة من الأهمية، لأن الامتحان ليس مجرد ورقة وأسئلة ودرجات، وإنما هو جزء من منظومة تقييم مستوى الطالب ومدى تحقيق العملية التعليمية لأهدافها.

وكلما كانت الإجراءات الامتحانية واضحة ومنظمة وعادلة، ازدادت ثقة الطالب وولي الأمر والمؤسسة التعليمية بنتائجها.

الحدود الجغرافية للطلبة.. تنظيم ينعكس على المدرسة

كما جرى اجتماع مع لجنة الإشراف على توزيع الحدود الجغرافية للطلاب.

وقد يبدو هذا الملف إدارياً، لكنه في الحقيقة يرتبط مباشرة بحياة الطالب والمدرسة والأسرة.

فتنظيم توزيع الطلبة على المدارس وفق الحدود الجغرافية يساعد على تحقيق قدر أكبر من التنظيم، ويخفف الضغط عن بعض المدارس، ويحقق توزيعاً أكثر توازناً للطلبة، إذا ما رافقه تخطيط دقيق ومتابعة مستمرة.

وهنا تظهر أهمية التنسيق بين الإدارة التربوية والمدارس واللجان المختصة، خصوصاً مع بداية كل عام دراسي.

مستودع الكتب.. الكتاب المدرسي جزء من نجاح العام

ومن بين المحطات التي حظيت بمتابعة السيدة ريزان محمد أمين زيارة مستودع الكتب وإدارة التعليم.

فالكتاب المدرسي هو أحد الأعمدة الأساسية للعملية التعليمية، وأي خلل في وصوله إلى الطالب في الوقت المناسب يمكن أن ينعكس على سير الدروس.

ولهذا فإن متابعة المستودعات وحركة الكتب وتوزيعها ليست قضية لوجستية هامشية، وإنما جزء من الاستعداد الفعلي للعام الدراسي.

من جرس البداية إلى مسؤولية النتائج

إن المشهد الذي تقدمه هذه الزيارات والاجتماعات يفتح الباب أمام مفهوم أوسع للإدارة التربوية: الإدارة التي تتحرك في الميدان، لا التي تنتظر التقارير في المكاتب فقط.

فزيارة الروضة، واللقاء بالمعلمين، وتكريم الطالبات، ومتابعة المدارس، والاجتماع بمديريها، ومناقشة الامتحانات، ومتابعة الحدود الجغرافية للطلبة، وزيارة مستودع الكتب، كلها حلقات مرتبطة بسلسلة واحدة عنوانها: كيف نجعل المدرسة أكثر قدرة على أداء رسالتها؟

وتؤكد التجربة التعليمية في الإقليم أن ملف التربية لم يعد محصوراً بالصف التقليدي، إذ أعلنت حكومة الإقليم خلال عام 2026 عن مبادرات في التعليم الرقمي، ومن بينها تطبيق التقييم الإلكتروني والمدرسة الرقمية ومنصة «مدرستي»، إلى جانب برامج لإعادة تأهيل الأبنية المدرسية وتجهيز مدارس بأنظمة الطاقة الشمسية.

الطالب هو محور العملية كلها

وفي نهاية المطاف، فإن كل هذه الاجتماعات والجولات والقرارات يجب أن تصل إلى هدف واحد: الطالب.

فالنجاح الحقيقي للإدارة التربوية لا يقاس بعدد الاجتماعات ولا بعدد الزيارات، وإنما بما يلمسه الطالب داخل المدرسة، وما يلمسه المعلم في بيئة العمل، وما يلمسه ولي الأمر من تحسن في مستوى أبنائه.

ومن هنا، فإن بداية العام الدراسي الجديد تمثل فرصة لمراجعة الأداء، ومعالجة الثغرات، وتطوير المناهج وأساليب التعليم، وتعزيز دور المعلم، وتشجيع التفوق، وحماية الطالب من التسرب، وتوفير البيئة المدرسية الملائمة.

عام دراسي جديد.. ومسؤولية متجددة

إن قرع جرس المدرسة في أربيل لا يعني فقط أن عاماً دراسياً جديداً قد بدأ، بل يعني أن مسؤولية جديدة قد بدأت أيضاً.

مسؤولية المدير، والمعلم، والمشرف، والموظف، والأسرة، والطالب، وكل مؤسسة لها علاقة بالتربية.

وإذا كانت البداية قد حملت مشاهد الزيارات الميدانية، وتكريم الطالبات، وتوزيع القرطاسية، والاجتماعات الإدارية، ومتابعة الامتحانات والكتب المدرسية، فإن التحدي الأكبر يبقى في استمرار هذه المتابعة طوال العام الدراسي وتحويلها إلى نتائج ملموسة داخل الصف والمدرسة.
: فالتعليم لا يُبنى بالقرارات وحدها، ولا بالاحتفالات وحدها، وإنما يبنى بالمتابعة اليومية، وبالمعلم الكفوء، والإدارة الجادة، والطالب الذي يشعر بأن مدرسته هي المكان الذي يستطيع فيه أن يتعلم ويحلم ويصنع مستقبله.

وهكذا، فإن جرس العام الدراسي الجديد ليس نهاية التحضيرات، بل هو بداية الامتحان الحقيقي للإدارة التربوية والمدرسة والمعلم والطالب معاً.

والرهان في النهاية ليس على عام دراسي يمر، وإنما على جيل جديد يتعلم اليوم ليبني غداً أفضل.

قد يعجبك ايضا
∧