جامعة ديالى أمام اختبار التحوّل الكبير

الصحفي والمحامي عرفان الداوودي

ليست كل جلسة جامعية مجرد اجتماع إداري، وليست كل توجيهات رئيس الجامعة بياناً يضاف إلى أرشيف المؤسسة. ففي الجامعات التي تريد أن تصنع فرقاً حقيقياً، تتحول القرارات إلى برامج، والبرامج إلى مؤشرات، والمؤشرات إلى نتائج يلمسها الطالب والأستاذ والموظف والمجتمع.

ومن هذا المنطلق، تبدو جامعة ديالى مع بداية العام الدراسي 2026–2027 أمام مرحلة تحمل عنواناً واضحاً: الانتقال من إدارة اليوميات إلى إدارة الأداء والنتائج.

ففي 21 أيلول 2026 عقد مجلس جامعة ديالى جلسته الأولى المفتوحة للعام الدراسي الجديد برئاسة رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور تحسين حسين مبارك، وطرح المجلس حزمة واسعة من الملفات الأكاديمية والإدارية والخدمية والاستراتيجية، كان محورها المعلن: جعل العام الجديد انطلاقة نوعية في الأداء والتطوير.

لكن أهمية ما جرى لا تكمن في عدد التوجيهات التي صدرت، وإنما في طبيعة المنهج الذي تحمله.

من تسيير الأعمال إلى صناعة القرار

اللافت في توجيهات رئيس الجامعة أنها وضعت مفهوم الإدارة بالمبادرة والتخطيط والمتابعة وقياس النتائج في مواجهة الإدارة الروتينية.

وهذه النقلة، إذا ما ترجمت عملياً داخل الكليات والأقسام، تعني أن المسؤول الجامعي لا يُقاس فقط بقدرته على إنجاز المعاملة اليومية، وإنما بقدرته على تحديد المشكلة، ووضع خطة لمعالجتها، وتحديد سقف زمني للتنفيذ، ثم قياس ما تحقق.

وهنا تحديداً يبدأ الاختبار الحقيقي.

فالجامعة أعلنت عن توجه نحو خطط تنفيذية واضحة ومؤشرات لقياس مستوى الإنجاز، وعن متابعة ميدانية مستمرة من قبل العمادات، وهي خطوة تجعل المسؤولية قابلة للمتابعة والمساءلة داخل المؤسسة نفسها.

الطالب في قلب المشروع

أي مشروع جامعي لا يمكن قياس نجاحه بعيداً عن الطالب.

ولهذا تضمنت توجيهات مجلس جامعة ديالى اهتماماً خاصاً بطلبة المرحلة الأولى، والاستفادة من الخبرات والكفاءات الأكاديمية في تدريس المواد الأساسية، ومتابعة الطلبة المتعثرين دراسياً.

وهي قضية جوهرية؛ لأن الطالب الجديد لا يدخل الجامعة وهو يحمل فقط رغبة الحصول على شهادة، بل يحتاج إلى بيئة تساعده على فهم تخصصه والتكيف مع الحياة الجامعية وبناء شخصيته العلمية.

كما أن برنامج «جامعتي مسؤوليتي» يطرح بعداً آخر يتعلق بتحويل الطالب من متلقٍ للخدمة الجامعية إلى شريك في الحفاظ على بيئته الجامعية وخدمة مجتمعه.

القاعات والمختبرات والخدمات.. الاختبار اليومي

قد تبدو الصيانة وتجهيز القاعات والمختبرات والخدمات الجامعية ملفات إدارية، لكنها في الحقيقة جزء مباشر من جودة التعليم.

ولهذا شددت توجيهات مجلس الجامعة على جاهزية القاعات والمختبرات والمرافق والخدمات، وعلى اعتماد الصيانة الوقائية والمعالجة المبكرة للمشكلات.

وهنا تكمن معادلة مهمة:

جامعة حديثة لا تنتظر العطل حتى تصلحها، وإنما تعمل على منع العطل قبل وقوعه.

وقد سبقت جلسة 21 أيلول خطوات عملية في هذا الاتجاه؛ إذ عقدت الجامعة في 13 أيلول اجتماعاً لغرفة العمليات الخاصة بمتابعة المشاريع، وشدد رئيس الجامعة على تسريع العمل في المشاريع مع الالتزام بالجودة والجداول الزمنية، باعتبار تطوير البنى التحتية جزءاً من البيئة الجامعية الحديثة.

كما تابع رئيس الجامعة في 15 أيلول جاهزية أقسام دائرة المساعد العلمي وخطط التحول الرقمي، واطلع على المشكلات والمعوقات ووجّه باتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجتها.

وهذه المتابعة، إذا استمرت بالمنهج نفسه، تعني أن الجامعة تحاول نقل الإدارة من المكتب إلى الميدان.

الاعتماد الأكاديمي.. من الشعار إلى المعايير

الملف الأكثر وضوحاً في مسار جامعة ديالى خلال هذه المرحلة هو الجودة والاعتماد الأكاديمي.

ففي 23 أيلول استقبل رئيس الجامعة، وهو أيضاً رئيس المجلس الوطني لاعتماد برامج تخصصات العلوم، المجلس الوطني لاعتماد برامج تخصصات العلوم، ضمن أعمال الدورة التدريبية الخاصة بالوجبة الثانية من فريق المقيمين الوطنيين، والتي تضمنت جانباً عملياً لتأهيل المقيمين وفق معايير الاعتماد الأكاديمي.

والأهم أن الجامعة لم تكن مجرد مكان لاستضافة النشاط؛ فقد احتضنت في آب 2026 الجانب العملي من الدورة التدريبية الثانية لإعداد فريق التقييم الوطني لاعتماد برامج تخصصات العلوم، وشملت التطبيقات جمع الأدلة والوثائق والتحقق منها وإجراء المقابلات والاطلاع على القاعات والمختبرات والمناهج والبنى التحتية.

وهذا يقود إلى سؤال مهني مهم:

هل يصبح الاعتماد الأكاديمي إجراءً للحصول على شهادة، أم يتحول إلى ثقافة دائمة داخل الجامعة؟

الإجابة الحقيقية لن تكون في المؤتمرات والندوات، وإنما في المناهج، والمختبرات، والبحث العلمي، ونسب الإنجاز، ومستوى الخريجين، وعلاقة التخصصات بحاجات المجتمع وسوق العمل.

جامعة ديالى وسؤال سوق العمل

من الملفات التي ظهرت في توجهات الجامعة البحث عن تخصصات نوعية أكثر ارتباطاً بالمستقبل.

ففي تموز 2026 بحث رئيس الجامعة مع عضو لجنة التعليم النيابية استحداث تخصصات نوعية وتطوير البرامج الدراسية بما ينسجم مع متطلبات سوق العمل والتحولات العلمية والتكنولوجية.

كما استقبلت الجامعة في حزيران لجنة وزارية متخصصة لدراسة استحداث كلية جديدة وعدد من الأقسام العلمية، ضمن توجه لتطوير خارطة التخصصات والاستجابة لاحتياجات سوق العمل والتحولات العلمية والتكنولوجية.

وهنا يبرز تحدٍّ أكبر من مجرد استحداث قسم أو كلية:

هل يحتاج سوق العمل فعلاً إلى هذه التخصصات؟ وهل تمتلك الجامعة المختبرات والكفاءات والمناهج التي تجعل خريجها منافساً بعد التخرج؟

إن نجاح أي استحداث أكاديمي لا يُقاس بعدد المقاعد الدراسية، وإنما بما يضيفه التخصص إلى الاقتصاد والمجتمع والمعرفة.

تسعة أساتذة إلى مرتبة الأستاذية

وفي الجانب الأكاديمي، شهدت جلسة مجلس الجامعة المصادقة على ترقية تسعة تدريسيين إلى مرتبة الأستاذية بعد استكمال متطلبات الترقية العلمية.

وتمثل هذه الخطوة إضافة إلى الرصيد العلمي للجامعة، خصوصاً أن تطور المؤسسة الجامعية لا ينفصل عن تطور كوادرها العلمية.

فالأستاذ الجامعي ليس مجرد موظف أكاديمي؛ إنه أحد أهم مصادر إنتاج المعرفة والبحث العلمي والإشراف على الأجيال الجديدة.

ومن هنا فإن دعم الترقيات العلمية يجب أن يترافق مع دعم النشر العلمي الرصين، والمشاريع البحثية، والشراكات الأكاديمية، وتحويل المعرفة المنتجة داخل الجامعة إلى حلول تخدم المجتمع.

الجودة تبدأ من تقييم الأداء

وفي الاتجاه نفسه، أقامت كلية التربية للعلوم الإنسانية ندوة حول ضمان الجودة وتقييم الأداء نحو تحقيق التميز المؤسسي والأكاديمي، تناولت آليات التقييم السنوي للتدريسيين والموظفين واستمارات التقييم ومتطلبات النماذج الوزارية، فضلاً عن أهمية النشر العلمي والمشاركة في الأنشطة العلمية والثقافية.

وهنا تظهر فلسفة متكاملة:

لا تطوير من دون تقييم، ولا تقييم حقيقي من دون معايير، ولا معايير من دون نتائج قابلة للقياس.

فإذا كان التقييم مجرد استمارة تُملأ في نهاية السنة، يفقد معناه. أما إذا تحول إلى وسيلة لمعرفة نقاط القوة والضعف وتحديد المسؤوليات وخطط المعالجة، فإنه يصبح أداة تطوير حقيقية.

الإدارة المالية.. الوجه الآخر للجودة

وفي 22 أيلول، ترأس رئيس الجامعة اجتماع مجلس إدارة صندوق التعليم العالي، حيث نوقشت الجوانب المالية والإدارية المرتبطة بعمل الصندوق وتنظيم آليات الصرف وفق الأطر والضوابط المعتمدة.

والإدارة المالية ليست ملفاً منفصلاً عن التعليم.

فكل دينار يُدار بكفاءة يمكن أن يتحول إلى مختبر أفضل، أو خدمة أفضل، أو بيئة جامعية أكثر ملاءمة، أو دعم للبحث العلمي.

ولهذا فإن الحديث عن الشفافية والدقة وحسن إدارة الموارد يكتسب أهمية خاصة في أي مؤسسة تعليمية تسعى إلى التطوير والاستدامة.

المرأة والسلام.. الجامعة خارج أسوارها

ولا يبدو أن دور الجامعة محصور داخل القاعات الدراسية.

فكلية القانون والعلوم السياسية أقامت ورشة علمية حول دور المرأة في تعزيز ثقافة التسامح وبناء السلام المجتمعي، تناولت مفاهيم التسامح واحترام الاختلافات الفكرية والثقافية والاجتماعية ودور المرأة في بناء السلام.

وهذا النوع من النشاطات يعكس وظيفة أخرى للجامعة: إنتاج الوعي المجتمعي إلى جانب إنتاج المعرفة الأكاديمية.

فالجامعة التي تعلّم القانون والعلوم والسياسة، مطالبة أيضاً بإعداد مواطن يؤمن بالتعدد والاختلاف والحوار والسلام.

من جامعة محلية إلى منصة وطنية للجودة

ومن المؤشرات اللافتة أن دور جامعة ديالى لم يعد مقتصراً على برامجها الداخلية في ملف الاعتماد؛ فقد شارك رئيس الجامعة في قيادة الفريق الوطني لاعتماد برامج كليات العلوم، ومن ذلك زيارة ميدانية إلى جامعة تكريت لتقييم برنامج قسم علوم الرياضيات وفق متطلبات الاعتماد البرامجي.

كما افتُتحت في كانون الثاني 2026 بناية المجلس الوطني لاعتماد برامج تخصصات العلوم في جامعة ديالى، بما يعزز حضور الجامعة في ملف وطني يتعلق بجودة التعليم العالي.

وهذا يضع الجامعة أمام مسؤولية أكبر: أن تكون تجربتها الداخلية في الجودة متسقة مع الدور الوطني الذي تؤديه في مجال الاعتماد.

ما بين كثرة التوجيهات وامتحان النتائج

من السهل أن نحصي الاجتماعات والندوات والورش والزيارات.

لكن التحقيق الصحفي الجاد لا يتوقف عند تعداد النشاطات.

السؤال الأهم هو:

ماذا ستنتج هذه التوجيهات بعد ستة أشهر؟ وبعد عام؟

هل ستنخفض المشكلات الإدارية؟

هل تتحسن الخدمات؟

هل تصبح المختبرات أكثر جاهزية؟

هل يلمس الطالب فرقاً حقيقياً في العملية التعليمية؟

هل ترتفع جودة البحوث المنشورة؟

هل تتوسع الشراكات العلمية؟

هل تتغير التخصصات بما يتلاءم فعلاً مع سوق العمل؟

وهل تصبح مؤشرات الأداء أداة حقيقية للحكم على مستوى الإنجاز؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من الجهد المؤسسي، بل تمنحه معياراً صحفياً ومهنياً للقياس.

تحسين حسين مبارك.. مشروع إداري تحت الاختبار

من خلال سلسلة النشاطات المعلنة في جامعة ديالى خلال الأسابيع الأخيرة، يمكن ملاحظة مجموعة محاور تتكرر بوضوح في خطاب رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور تحسين حسين مبارك:

الجودة، الاعتماد الأكاديمي، التحول الرقمي، تطوير البنى التحتية، متابعة الأداء، استحداث التخصصات النوعية، سوق العمل، البحث العلمي، الإدارة المالية، وتفعيل دور الكليات والأقسام.

وهذه ليست ملفات منفصلة؛ بل حلقات في سلسلة واحدة.

فلا يمكن الحديث عن جامعة ذكية من دون بنية رقمية، ولا عن تعليم جيد من دون أستاذ كفوء، ولا عن خريج منافس من دون تخصص حديث، ولا عن اعتماد أكاديمي حقيقي من دون تقييم، ولا عن مؤسسة مستدامة من دون إدارة مالية رصينة.

الخلاصة: عام دراسي جديد أم اختبار إداري جديد؟

جامعة ديالى تدخل عامها الدراسي الجديد وهي تحمل مجموعة كبيرة من التوجيهات والأهداف المعلنة.

لكن النجاح الحقيقي سيظهر عندما تنتقل هذه العناوين من صفحات الأخبار إلى حياة الجامعة اليومية.

فالطالب هو من سيحكم على جودة القاعة والمختبر والمحاضرة والخدمة.

والأستاذ هو من سيحكم على البيئة الأكاديمية والبحثية.

والموظف هو من سيختبر كفاءة الإدارة.

وسوق العمل هو الذي سيكشف في النهاية مدى قدرة الخريج على المنافسة.

ومن هنا فإن التحدي أمام رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور تحسين حسين مبارك ليس إصدار المزيد من التوجيهات فحسب، بل تحويل التوجيه إلى خطة، والخطة إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى رقم، والرقم إلى نتيجة، والنتيجة إلى أثر يراه المجتمع.

عندها فقط يصبح شعار «جامعة ديالى نحو مسار نوعي في الأداء والتطوير» أكثر من عنوان؛ يصبح تجربة يمكن قياسها والحكم على نتائجها.

فالجامعات لا تُبنى بكثرة الاجتماعات، وإنما بما تتركه من علم، وما تصنعه من إنسان، وما تنتجه من معرفة، وما تقدمه لمجتمعها.

وتشير سلسلة نشاطات الجامعة المنشورة رسمياً إلى أن ملف الجودة والاعتماد والتطوير أصبح حاضراً بقوة في أجندتها خلال 2026، لكن تقييم أثر هذه السياسات يحتاج إلى متابعة مؤشرات الأداء ونتائجها الفعلية مع مرور العام الدراسي.

قد يعجبك ايضا