غني العواد
في زمنٍ تتشابك فيه الهويات وتختلط المفاهيم، يبرز اسم الدكتور رشيد الخيون بوصفه واحدًا من أبرز المفكرين والباحثين العرب الذين سعوا إلى قراءة التراث بعين العقل، واستنطاق التاريخ بروحٍ منفتحة تنشد الحقيقة بعيدًا عن الأدلجة والتعصب. لقد كرّس حياته للبحث في الفكر الإسلامي القديم، وتاريخ الأديان والمذاهب، مؤمنًا بأن التنوير لا يتحقق إلا عبر الوعي بالتراث واستيعابه نقديًا لا تقديسيًا.
الميلاد والنشأة
وُلد الدكتور رشيد الخيون عام 1950 في منطقة الجبايش بمحافظة ذي قار جنوبي العراق، من أسرة عريقة تنتمي إلى آل خيون، وهم من مشايخ قبيلة بني أسد. في بيئة مفعمة بعبق الأهوار، تشكل وعيه الأول على محبة الأرض والإنسان، وبدأت تتفتح في داخله بذور الأسئلة الأولى عن الدين، والمجتمع، والتاريخ.
التعليم والتكوين العلمي
تخرّج الخيون في معهد المعلمين في بغداد، ثم واصل مسيرته الأكاديمية خارج العراق، فحصل على بكالوريوس من جامعة عدن عام 1984 في اليمن الجنوبي، لينال بعدها درجة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية من جامعة صوفيا سنة 1991. تميّز مساره العلمي بعمق النظر وشمولية الاطلاع، إذ جمع بين الدراسة الفلسفية والتحليل التاريخي والنقد المقارن للتراث الإسلامي والعربي.

المسيرة المهنية
بدأ مسيرته التعليمية معلمًا في مدارس بغداد بين عامي 1975 و1978، وهي الفترة التي شهد فيها التعليم العراقي ازدهارًا كبيرًا باعتراف من منظمة اليونسكو. ثم انتقل إلى اليمن ليُدرّس في جامعاتها بين 1979 و1988، في وقتٍ كانت الهجرة العلمية تضرب العراق بسبب الحرب العراقية – الإيرانية.
استقر لاحقًا في لندن حيث واصل نشاطه البحثي والفكري، وأصبح أحد أبرز الأقلام العربية في مجال تاريخ الأديان والمذاهب.
يكتب الدكتور الخيون مقالًا أسبوعيًا في صحيفة الاتحاد الإماراتية، وله مساهمات فكرية منتظمة في صحيفة الشرق الأوسط وصحف عربية أخرى، حيث يتناول قضايا الإسلام السياسي، والعقلانية في الفكر العربي، والهوية العراقية.
فكره واتجاهه:
يُعد الدكتور رشيد الخيون من أبرز المفكرين العلمانيين العرب، لكنه لا يدعو إلى علمانية منقطعة عن جذور الأمة، بل إلى ما يسميه “التأصيل العلماني”؛ أي البحث عن الجذور العقلانية والتسامحية داخل التراث الإسلامي نفسه.
من خلال أبحاثه، سعى إلى البرهنة على أن الإسلام، في جوهره، لا يعارض العقل ولا الحرية، وأن الفكر الإسلامي عبر تاريخه قد عرف مدارس عقلية رائدة مثل المعتزلة والفلاسفة الإسلاميين.
كما يدعو دائمًا إلى إعادة اللحمة الوطنية العراقية، والتعريف بالهوية العراقية العريقة المتجذرة في حضارات سومر وأكد وبابل، بعيدًا عن الانقسامات الطائفية والمذهبية التي شوّهت الوعي الجمعي.
مؤلفاته
أثرى الدكتور رشيد الخيون المكتبة العربية بعشرات المؤلفات التي تُعد مراجع فكرية وبحثية مهمة، من أبرزها:
مذهب المعتزلة من الكلام إلى الفلسفة
تلخيص البيان في ذكر أهل الأديان
معتزلة البصرة وبغداد
جدل التنزيل
تاريخ البهائية والبابية
الديانة المندائية
المباح واللامباح
لاهوت السياسه.
ضد الطائفية: العراق جدل ما بعد نيسان 2003
بلاد الرافدين: ثوابت الجغرافيا وصور التعايش (2020)
الخلافة التركية والولاية الإيرانية (2021)
لصوص الأموال والنصوص (2021)
كتاب الأربعاء: في الإسلام السياسي والتنوير والمذهبية (2022)
صرعى العقائد: المقتولون بسبب ديني قديمًا وحديثًا (2023)
قوس قزح: الجنسانية في الفقه والأدب (2024)
أخبار النساء – تحقيق لمؤلف الأمير مؤيّد الدولة أسامة بن منقذ (2024)
كما قدّم دراسه مرجعية في قضايا التسامح، ونقد الفكر الطائفي، والعلاقة بين الدين والدولة، مسلطًا الضوء على فترات التنوير في التاريخ الإسلامي.

جوائزه وتكريمه
نال الدكتور رشيد الخيون عددًا من الجوائز العربية المرموقة، منها:
جائزة الملك عبد العزيز للكتاب عام 2017 عن كتابه «أثر السود في الحضارة الإسلامية».
جائزة الإعلام العربي عن فئة أفضل كاتب عمود صحفي عام 2022.
جائزة الشيخ زايد للكتاب – فرع تحقيق المخطوطات عام 2025، عن تحقيقه لكتاب أخبار النساء
إقامته ونشاطه الحالي
يقيم الدكتور رشيد الخيون في لندن، حيث يواصل نشاطه الفكري والبحثي، ويشارك في المؤتمرات والندوات الثقافية والفكرية في العالم العربي والغربي، متحدثًا عن قضايا التسامح، والعقلانية، وإصلاح الفكر الديني.
خاتمة
إن سيرة الدكتور رشيد الخيون ليست مجرد رحلة أكاديمية في عالم الفكر، بل هي مسيرة تنويرٍ عراقية عربية تسعى إلى مصالحة الإنسان مع ذاته وتاريخه.
في زمنٍ يعصف فيه التطرف والانقسام، يظل الخيون صوت العقل الرصين الذي يذكّر بأن الحقيقة لا تُصادر، وأن النهضة تبدأ من الوعي بالذات واحترام الاختلاف.
هو ابن الأهوار الذي حمل من بيئته صفاء الماء وعمق القصب، ومن فكره وهج النور، ليبقى علامةً مضيئة في سجل الفكر العربي الحديث.
في مقالة شائقة كتب رشيد الخيون:
((كانت قصة «حقِّك أبو حقّي» معروفة بين البغداديين، وملخصُها أنَّ مجنوناً يقطع شارع الرَّشيد (ثلاثة كيلومترات) ذهاباً وإياباً، بين باب المعظم شمالاً والباب الشّرقيّ جنوباً، صباحَ مساءَ، منادياً: «حقّي حقّي»، لذا عُرف بـ«أبي حقِّي»، والسَّامع يردُّ: «حقُّك أبو حقِّي». كان يشتم الزَّعامات، بدءاً بنوري باشا (قُتل 1958)، دون ذكر اسم الملك فيصل (قُتل 1958).
وبعد كلِّ انقلاب يحفظ الاسمَ الأول ويبدأ بشتمه، وقد تناول عبد الكريم قاسم (قُتل 1963)، ثم عبد السّلام عارف (قُتل 1966)، فعبد الرَّحمن عارف (ت 2007)، ولم يُمنع أبو حقّي مِن هوايته، بل إنّ مسؤولين تداولوا خبرَه نكتةً. بعد أسبوع مِن استلام «البعث» السُّلطةَ (17/7/1968)، غاب أبو حقّي غيابَه الأخير، فشعر أهل «الرَّشيد» بأهميته، وقد فرغ شريان بغداد منه، وكان يتخذ مِن رصيفه مأوىً، ألِفه لعقدين مِن الزَّمن، ينام ويأكل ويشرب مما يُجادُ به عليه. غاب ولا يُعلم هل زُج به في مستشفى المجانين، المعروف ببغداد باسم «الشّماعيَّة»، أم قُتل ورُمي في مكان ما؟ ويومها بدأت الأجواء تدلهم، والسُّؤال عن أبي حقِّي فيه مخاطرة، فالجدُ قد جدَّ، لا يُفرق بين مجنون وعاقل. بعد إعلان اسم الرَّئيس الجديد (1968)، وما أنْ حفظه أبو حقّي ونطق بشتمه، كي يمارس هوايته، حتى اختفى، ولم يعد لخياله وجود، إلا في ذاكرة تُجار «الرّشيد»، الذين سمعنا مِن بعضهم سيرتَه. لم يُطالب أبو حقِّي بشيءِ، ولم يعرف له فعل سياسيّ، وما كان يحتجّ لمظلوميّة وقعت عليه، بل كان فقط يشتم الرُّؤساءَ، مع لازمته «حقّي حقّي»)).
في الختام كتب خيون:
((تغييب أبي حقِّي لا علاقة له بفرض هيبة السُّلطة، مثلما فكر به البعثيون في عهدهم الثَّاني، ففي عالم السّياسة، وما أدركه الباشا، وكان يمرّ ويسمع شتائم أبي حقّي، تكون الحاجة لهذه الظّاهرة، منها للرفاهية والتَّخفيف عن كواهل المارة، وفيها أيضاً دعاية بوجود حريات، وخصوصاً ببلدٍ مثل العِراق، ما إنْ يقوم انقلاب، إلا وخُطط لانقلاب «أنكس» منه. لو عاش أبو حقّي في زمن عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255 هـ)، أو في زمن أبي الفرج عبد الرّحمن بن الجوزي (ت 597 ه) لضمَّنا حكايتَه صفحات ما كتبا عن الجنون والتَّماجن. أقول: لو كُتب لأبي حقِّي الحياة إلى يومنا هذا، ما استطاع حفظ اسم مسؤول واحد، حتَّى لو كان يشاركه التسكع على حافات «الرَّشيد» حينها، وكم يحفظ؟ وأي خرابٍ يشتم؟ والكلُّ صاروا مشتومين، إلا الخطوط الحُمر مِن المقدسين، فشاتمهم عليه حساب الخطف، والاغتيال، والقنص…)).