محمد علي محيي الدين
في الموصل، تلك المدينة التي عُرفت منذ قرون بأنها حاضرة للغناء الروحي والمقام العراقي والموشحات، وُلد حسن بن محمود النوري الوتّار سنة 1879، في زمن كانت فيه الأصوات تشكّل ذاكرة المدينة كما تشكّل حجارتها أزقتها القديمة. نشأ في بيئة موصلية مشبعة بالفن، حيث يمتزج الإنشاد الديني بالمقامات الشعبية، وتتحول المجالس إلى فضاءات للغناء والتلقي والتوارث الشفهي للفن الأصيل.
منذ بداياته، أظهر حسن الوتّار ميلاً واضحاً إلى الغناء، وكان صوته يتمتع بطابع خاص يلفت انتباه السامعين، حتى غدا من الأصوات المعروفة بين أبناء الموصل في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. لم يكن الغناء عنده مجرد موهبة عابرة، بل كان مسار حياة تدرّج فيه عبر الاستماع والتجربة والممارسة، حتى تشكلت ملامح شخصيته الفنية شيئاً فشيئاً.
وقد لعبت البيئة الموصلية دوراً حاسماً في صياغة تجربته، إذ كانت المدينة آنذاك مركزاً مهماً لفن المقام والموشحات، تتداول فيه المجالس الفنية بشكل حيّ، ويُتناقل فيه التراث الغنائي من جيل إلى جيل. وفي هذا المناخ الغني، التقى حسن الوتّار بالموسيقار والشاعر الكبير الملا عثمان الموصلي، أحد أبرز أعلام الموسيقى والإنشاد في العراق، فتأثر به تأثراً عميقاً، وتلقى على يديه الكثير من أصول الفن وأساليبه.
ومن خلال هذا التتلمذ، تعمقت معرفته بالموشحات والليالي والمقامات العراقية، وأصبح أكثر قدرة على فهم البنية الداخلية لهذا الفن المعقد، الذي يجمع بين الشعر والنغم والارتجال والتعبير الوجداني. ولم يكن مجرد متلقٍ، بل كان فناناً يسعى إلى تطوير أدائه وصياغة أسلوبه الخاص الذي يجمع بين الأصالة والروح الموصلية المميزة.
وقد برع حسن الوتّار في أداء عدد من المقامات العراقية التي تتطلب صوتاً قوياً وإحساساً عميقاً، فكان يؤدي المقام الحديدي والناري والحجاز والصبا والأورفا والمدمي بإتقان لافت، يبرز فيه قدرته على الانتقال بين المقامات المختلفة والتعبير عن حالات وجدانية متباينة، من الحزن العميق إلى الشجن المتأمل، ومن القوة الصوتية إلى الانكسار العاطفي.
وكان صوته يحمل تلك الخصوصية الموصلية المعروفة، حيث تمتزج العذوبة بالقوة، والدقة بالأداء العاطفي الصادق، ما جعله يحظى بمكانة مميزة بين معاصريه، ويُعدّ واحداً من الأصوات التي أسهمت في الحفاظ على تقاليد المقام العراقي في مرحلة كانت تشهد تحولات اجتماعية وثقافية واسعة.
وقد ارتبط اسمه في ذاكرة المدينة بالأصوات التي حافظت على هوية الغناء الموصلي، في وقت كانت فيه المقاهي والمجالس والبيوت تشكل فضاءات أساسية لتداول الفن ونقله شفهياً. وكان حضوره في تلك المجالس جزءاً من الحياة الثقافية للموصل، حيث يجتمع الناس حول الصوت الجميل كما يجتمعون حول الحكاية والتراث.
ومع مرور السنوات، ظل حسن الوتّار محافظاً على مكانته الفنية، يواصل أداءه للمقامات بروح العارف الذي يدرك عمق هذا الفن وأبعاده الروحية والجمالية، حتى وافته المنية في مدينة الموصل سنة 1947، بعد عمر طويل قضاه بين الصوت والإنشاد والمقام.
لقد كان حسن الوتّار واحداً من أولئك الأصوات التي لا تُنسى بسهولة، ليس فقط لأنه غنّى، بل لأنه كان جزءاً من منظومة فنية وثقافية أسهمت في تشكيل هوية المقام العراقي في الموصل. فقد حمل صوته ذاكرة مدينة كاملة، وترك أثراً ما زال يتردد في وجدان الفن العراقي بوصفه امتداداً لذلك الزمن الذي كان فيه الغناء جزءاً من روح الحياة اليومية، لا مجرد أداء فني عابر.
رحم الله حسن الوتّار، فقد كان صوتاً من أصوات الموصل التي حفظت للفن العراقي أصالته، ومرت بهدوء في تاريخ الغناء، لكنها بقيت حاضرة في ذاكرة المقام كعلامة من علامات الجمال والصدق الفني.:::