دروس من التجربة الكندية
د. حازم محمود حميد النعيمي
شهد التاريخ السياسي الحديث عددا كبيرا من تجارب استقلال الدول أو الأقاليم عن دول أخرى، وكانت هذه التجارب متفاوتة النتائج؛ فبعضها قاد إلى قيام دول مستقرة وناجحة، بينما واجهت تجارب أخرى تحديات اقتصادية وسياسية عميقة. ولهذا فإن مسألة الاستقلال لا تتعلق فقط بإعلان سياسي أو استفتاء شعبي بل ترتبط بسلسلة معقدة من العوامل الاقتصادية والدستورية والجغرافية والدولية.
ومن أبرز الأمثلة الحديثة على نجاح الاستقلال تجربة دول البلطيق الثلاث التي انفصلت عن الاتحاد السوفيتي عام 1991. وقد استفادت هذه الدول من دعم دولي واسع ومن قدرتها على بناء مؤسسات دولة حديثة والانضمام لاحقا إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما منحها استقرارا سياسيا واقتصاديا. كذلك شهد العالم تجربة انفصال سلوفاكيا عن تشيكوسلوفاكيا عام 1993 فيما عُرف بـ”الطلاق المخملي”، وهي تجربة تُعد من أنجح حالات الانفصال السلمي حيث تم الاتفاق على تقسيم المؤسسات والموارد بشكل منظم دون صراع. لكن في المقابل، هناك تجارب استقلال واجهت صعوبات كبيرة. فجنوب السودان الذي أعلن استقلاله عن السودان عام 2011 بعد استفتاء شعبي واسع، سرعان ما دخل في صراعات داخلية حادة أدت إلى أزمات اقتصادية وإنسانية عميقة. وتكشف هذه التجربة أن الاستقلال السياسي لا يضمن بالضرورة الاستقرار إذا لم تكن هناك مؤسسات قوية وهوية وطنية جامعة وقدرة على إدارة الموارد.
اما في كندا، كادت مقاطعة كيبيك الناطقة بالفرنسية أن تنفصل بعد استفتاء عام 1995 بفارق ضئيل للغاية، إلا أن الحكومة الفدرالية اختارت طريقا مختلفا قائما على الحوار الدستوري وتوسيع صلاحيات المقاطعات، إلى جانب إقرار “قانون الوضوح Clarity Act ” الذي نظم آلية أي استفتاء مستقبلي. ومع ذلك لم تلجأ الحكومة الفدرالية الكندية إلى إجراءات قسرية أو عسكرية، بل تعاملت مع القضية عبر الحوار الدستوري والقانوني. والأهم من ذلك، أن كندا لم تكتف بالحلول القانونية، بل بنت نموذجا اقتصاديا متكاملا جعل المقاطعات مترابطة في مصالحها وشجعها على التمسك بوحدة بلدها. فالمقاطعات الكندية تتمع بصلاحيات واسعة في إدارة مواردها الطبيعية بما في ذلك النفط والغاز وتحصل على عوائد مباشرة من هذه الموارد في حين تستفيد الحكومة الفدرالية من الضرائب العامة. وفي الوقت نفسه، ترتبط المقاطعات بشبكات نقل وطاقة وصناعة تجعل كل مقاطعة بحاجة إلى الأخرى، وهو ما خلق حالة من الاعتماد المتبادل الذي عزز وحدة الدولة.
وتتمتع المقاطعات الكندية الان بدرجة متقدمة من الاستقلالية في إدارة شؤونها اليومية، بحيث تبدو في كثير من الجوانب كأنها أنظمة إدارية متكاملة داخل الدولة الواحدة. فبالاضافة الى استقلايتها في ادارة قطاع الطاقة فهي تدير برامج الهجرة الخاصة بها كما في مقاطعة كيبيك وبعض المقاطعات الأخرى التي تختار المهاجرين وفق احتياجاتها الاقتصادية، كما تتولى إصدار رخص قيادة السيارات وتنظيم قوانين المرور بشكل مستقل تماما، إضافة إلى إدارة كاملة للأنظمة الصحية من حيث تقديم الخدمات وتمويل المستشفيات ووضع السياسات العلاجية. وتمتد هذه الصلاحيات لتشمل التعليم والمناهج الدراسية والتخطيط العمراني وإدارة البلديات والبرامج الاجتماعية، فضلاً عن فرض بعض الضرائب المحلية. وتُظهر هذه النماذج أن المقاطعات لا تمتلك صلاحيات شكلية، بل تمارس دورا حقيقيا في إدارة تفاصيل حياة المواطنين، ضمن إطار اتحادي يحافظ في الوقت نفسه على وحدة الدولة.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير في الفيدرالية المالية والاس أوتس أن اللامركزية الاقتصادية إذا ما صُممت بشكل صحيح يمكن أن تكون أداة لتعزيز الاستقرار السياسي، فيما يشير الباحث رونالد واتس إلى أن الفيدرالية الناجحة تقوم على الشراكة لا على التنافس بين المركز والأقاليم.
بالعودة إلى العراق، فإن الدستور أرسى بالفعل نظاما اتحاديا يمنح الأقاليم صلاحيات واسعة، لكن التحدي الحقيقي ظل في التطبيق. فملف النفط والغاز، على وجه الخصوص، تحوّل إلى مصدر توتر مستمر بين بغداد وأربيل، في وقت كان يمكن أن يكون فيه أساساً لشراكة اقتصادية قوية. ومن هنا، فإن الطريق نحو إعادة تنظيم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان يبدأ بإعادة بناء الثقة، عبر خطوات عملية في مقدمتها التوصل إلى صيغة شفافة وعادلة لإدارة الموارد الطبيعية، تضمن للإقليم دورا واضحاً في إدارة موارده، وفي الوقت نفسه تحافظ على حقوق الدولة الاتحادية. كما أن من الضروري تعميم هذا النهج على جميع المحافظات المنتجة للنفط والغاز، بحيث تتحول الثروات الطبيعية إلى محرك للتنمية المحلية في مختلف أنحاء العراق، بدلا من أن تبقى محورا للخلاف. فحين تشعر كل محافظة بأنها شريك في إدارة ثرواتها، تتعزز دوافع الاستقرار والانتماء الوطني. إلى جانب ذلك، يمثل بناء اقتصاد وطني متكامل خطوة أساسية، من خلال ربط الإنتاج النفطي بشبكات صناعية وتجارية تمتد عبر جميع المحافظات، وتوزيع المشاريع الاستراتيجية بما يحقق التكامل الاقتصادي ويخلق مصالح مشتركة يصعب التفريط بها.
وبالامكان ان لا يقتصر هذا النموذج على إقليم كردستان وحده بل يمكن تطبيقه أيضا على جميع المحافظات فحين تشعر المحافظات بأن لها دورا حقيقيا في إدارة مواردها وتنظيم شؤونها والاستفادة من امكانياتها فإن ذلك سيشجع الحكومات المحلية على العمل بجدية أكبر لتطوير هذه الموارد وجذب الاستثمارات وتحسين البنية التحتية الاقتصادية.
إن التجربة الكندية، وغيرها من التجارب الناجحة، تقدم درسا واضحا مفاده أن وحدة الدول لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى عبر المصالح المشتركة. فالدولة التي تنجح في تحويل التنوع إلى قوة وتوزيع الثروة بعدالة وبناء اقتصاد مترابط هي الدولة التي تجعل الانفصال خيارا غير مغرٍ. إن مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل يتوقف على القدرة على الانتقال من منطق الخلاف إلى منطق الشراكة. فإذا نجح العراق في بناء نموذج اتحادي عادل وفعال، فإن بقاء إقليم كردستان لن يكون مجرد خيار سياسي، بل سيصبح خيارا طبيعيا يفرضه واقع الاستقرار والمصلحة المشتركة.