عيدُ الأم… وهل يحتاج الحب إلى عيد؟

تزرين يعقوب سولا

في زحمة الأيام وتسارعها، تأتي الأعياد كنافذة صغيرة نطلّ منها على ما أهملناه دون قصد.
هي محطات للفرح، وللتذكير، ولإعادة ترتيب المشاعر التي بعثرتها الحياة.
لكن :… هل يحتاج الحب إلى عيد كي نتذكر ؟
وهل تكفي لحظة واحدة في العام لنفيَ حقًّا طويلًا من العرفان؟
الحب، في جوهره، ليس حدثًا مؤقتًا .بل هو شعور يُعاد في التفاصيل الصغيرة.
في نبرة صوت،
في اهتمام صادق،
في يدٍ تمتدّ وقت التعب،
وفي كلمة اعتذار حين نخطئ. لا يُقاس الحب بما نكتبه على وسائل التواصل،
ولا بعدد الصور والبطاقات التي ننشرها، بل بمدى حضورنا الحقيقي في حياة من نحب…
لقد أصبحت وسائل التواصل، في كثير من الأحيان، ساحةً لعرض المشاعر أكثر من عيشها. نُعلن الحب أمام الجميع، لكننا قد نغفل عن التعبير عنه في اللحظات التي تحتاجه فعلًا.
الأم، على وجه الخصوص، لا تحتاج إلى يومٍ لتدرك مكانتها. فهي تعرف حب أبنائها من نظرة، من تصرّف بسيط، من اهتمامٍ صادق لا يراه الآخرون. الحب الذي يُقال كثيرًا قد يفقد بعضًا من معناه،
أما الحب الذي يُحَسّ….فهو الأصدق والأبقى.
الأعياد جميلة لكنها ليست بديلًا عن الحب، بل تذكير به.
هي فرصة لنقول ما تأخر، ولنفعل ما أهملنا.
في الثقافاتٍ القديمة، ومنها حضارات العراق، كانت الأعياد جزءًا من دورة الحياة.
غير أن مناسباتنا وافراحنا بدأت تُفرغ من معانيها. ففي خضم الاستعدادات، وحب الظهور، والتقليد الأعمى للآخرين، والانشغال بالشكليات ، أكثر من جوهر الحدث… ضاعت اللحظات الجميلة. أصبحنا نُعدّ للمناسبة أكثر مما نعيشها
ونهتم بكيف ستبدو أكثر من كيف سنشعر بها.
تتحول اللحظات التي كان يفترض أن تكون صادقة وعفوية إلى مشاهد مرتبة بعناية.
نلتقط الصور بدل أن نحس باللحظات ، نُجامل بدل أن نُعبّر بصدق، فنخسر جوهر الفرح ونحن نبحث عن شكله.
المشكلة ليست في العيد، بل في اختزاله وتشويهه. أن نحصر الحب في يومٍ واحد، أو نحوله إلى مظهر، هو ما يفقده معناه. أما إن كان العيد تذكيرًا حقيقيًا، ووقفة صادقة مع الذات، فهو يستحق أن يُحتفى به.
الحب الحقيقي لا يحتاج إلى جمهور، بل أن تحب الآخر لأجله، لا لأجلك. أن تفرح لفرحه، وتداوي ألمه، وتبقى حين يغيب الجميع. هو أن تعتذر حين تخطئ، وأن تُنصت حين يُحتاج إليك.
…في النهاية، ليس المهم أن نقول “نحب” في يومٍ محدد، بل أن نكون حبًا في كل يوم.
فكل عيدٍ وأمهاتنا بألف خير.

قد يعجبك ايضا