بين النار والظل : حين تتحول الجغرافيا إلى تهمة .

الصحفي حيدر فليح الشمري

ليس السؤال اليوم : من بدأ ؟
بل : لماذا تتجه بعض الضربات ” أو احتمالاتها ” نحو الخليج قبل أن تصل مباشرة إلى إسرائيل ، رغم أن الشرارة الأولى غالبًا ما تُنسب إليها ؟
الإجابة الصادمة ليست في الشعارات ، بل في الخرائط .
في عالم تحكمه موازين القوة ، لا تُختار الأهداف بناءً على الغضب ، بل وفق “ جدوى الردع ” . فالمواجهة المباشرة مع إسرائيل تعني فتح باب واسع على تدخل الولايات المتحدة ، بكل ما يحمله ذلك من تعقيد عسكري وسياسي ، لذلك تتحول الجغرافيا القريبة حيث القواعد ، والممرات ، ومراكز الطاقة ، إلى مساحة ضغط بديلة .
وهنا تدخل دول الخليج إلى قلب المعادلة ، لا كخصم مُعلن بالضرورة ، بل كجزء من بيئة استراتيجية شديدة الحساسية ، وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضي هذه الدول يجعلها في نظر إيران ، جزءًا من منظومة الردع المعادية حتى لو لم تعلن هذه الدول انخراطًا مباشرًا في أي صراع .
هذا الطرح لا يعني اتهامًا مباشرًا بقدر ما يكشف منطقًا عسكريًا باردًا :
حين تنطلق العمليات أو تُدار لوجستيًا من نطاق جغرافي معيّن ، فإن هذا النطاق يدخل تلقائيًا في حسابات الرد .
ومن هنا تتشكل الفكرة الجدلية :
هل أصبحت بعض دول الخليج ، بحكم التحالفات والانتشار العسكري الأجنبي ، أقرب إلى أن تكون “ خط تماس ” بدل أن تكون “ منطقة أمان ” ؟
السؤال مزعج… لكنه مشروع .
في المقابل يُستخدم خطاب أيديولوجي حاد داخل إسرائيل وأحيانًا عبر شخصيات إعلامية مثل أفيخاي أدرعي يحمل إشارات دينية وتاريخية تتحدث عن فضاءات أوسع من حدود الدولة الحالية ، هذا الخطاب وإن لم يُعلن كسياسة رسمية ، يظل وقودًا نفسيًا في معركة الإدراك ، ويمنح خصومه مادة لتبرير قراءاتهم الأكثر تشددًا .
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في التصريح بحد ذاته ، بل في البيئة التي تسمح له بأن يتحول إلى “ احتمال قابل للتصديق ” .
فالمنطقة اليوم ليست محكومة بالنوايا ، بل بالقدرات…
وبالهواجس أيضًا .
أما دول الخليج فهي تعيش المفارقة الأكثر قسوة :
تستند إلى تحالفات دولية لضمان أمنها
لكنها في الوقت نفسه ، تدرك أن هذه التحالفات قد تجعلها ضمن بنك الأهداف في أي تصعيد واسع
ليست المسألة ضعفًا كما يُقال أحيانًا بل ” مأزق جغرافي – سياسي .
كيف تحتمي دون أن تتحول إلى ساحة ؟
في هذا المشهد لا تبدو إيران وكأنها تبحث عن مواجهة شاملة بقدر ما تسعى إلى تثبيت معادلة ردع مفادها :
أن أي استهداف لها لن يبقى محصورًا في حدودها بل سيتسع ليشمل كل بيئة تُسهم ” مباشرة أو غير مباشرة ” في ذلك الاستهداف .
وهنا تحديدًا تكمن الصدمة :
ليس لأن الخليج هو الهدف…
بل لأنه قد يصبح الوسيط الذي تُخاض عبره الرسائل الكبرى .
في مضيق هرمز تمرّ السفن محمّلة بالنفط…
لكنها تمرّ أيضًا محمّلة باحتمالات لا تُرى .
وما بين واشنطن وطهران…
قد لا تكون المسافة جغرافية بقدر ما هي…
مسافة قرار .
فهل تدرك المنطقة أنها لا تقف على حافة حرب واحدة…
بل على حافة سوء تقدير واحد…
قد يكفي لابتلاع الجميع ؟

قد يعجبك ايضا