المستشار الأقدم
دژوار فائق
الجزء الثاني
كما ذُكر في الجزء الأول، فتحت الولايات المتحدة قنوات تواصل مع أطراف من المعارضة العراقية، بما فيها القوى الكردية، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة الرئيس مسعود بارزاني، وذلك في إطار الجهود الدولية الرامية إلى دحر الجيش العراقي وإجباره على الانسحاب من الكويت. وفي هذا السياق، طُلب من الكرد ممارسة الضغط على النظام العراقي من جبهة كردستان، بما يسهم في تسريع عملية التحرير.
غير أن رد الرئيس مسعود بارزاني كان واضحًا وحاسمًا؛ إذ أكد أن الحرب الكردية تختلف في جوهرها عن الحرب العراقية الإيرانية أو حرب الكويت، لأنها حرب عادلة من أجل تأمين الحقوق المشروعة للشعب الكردي وضمان حريته، بل وحرية جميع مكونات العراق. وشدّد على أن أي قرار بالمشاركة في تحركات إقليمية يجب أن يُبنى على وضوح الأهداف. فإذا كانت العملية تهدف فقط إلى تحرير الكويت وانسحاب الجيش العراقي، فإن ذلك يختلف عن كونها لا تسعى إلى إسقاط النظام. أما إذا كان الهدف هو تغيير النظام وبناء نظام ديمقراطي تعددي، فإن الحركة الكردية مستعدة لبذل أقصى ما لديها في كردستان، لكن بشرط وضوح البديل المطروح، وما يحققه للكرد من إدارة ذاتية على أرض كردستان، وما إذا كان هناك برنامج واضح يضمن حماية كردستان من خطر الإبادة الجماعية التي قد يلجأ إليها النظام.
وظلت هذه التساؤلات مطروحة، واستمرت قنوات التفاوض مفتوحة دون حسم نهائي.
في الداخل، لم تنتظر القيادة الكردية طويلًا؛ فقد عقد الحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادة الرئيس مسعود بارزاني، سلسلة اجتماعات مكثفة في ضوء المتغيرات الجديدة، استعدادًا لأي تطور محتمل. وشملت هذه الاجتماعات أعضاء القيادة، وكبار الكوادر، وقادة قوات البيشمركة، ضمن تحضير شامل يجمع بين العمل العسكري والتحرك الجماهيري.
وفي الوقت ذاته، بدأت الجبهة الكردستانية، بقيادة الرئيس مسعود بارزاني، بوضع خططها للعب دور محوري في أي تحول سياسي أو عسكري داخل العراق.
وأعدّ الحزب الديمقراطي الكردستاني عددًا من الرسائل، بعضها موقّع من الرئيس مسعود بارزاني، وأخرى صادرة عن المكتب السياسي وفروع الحزب. وقد وُجّهت هذه الرسائل إلى شيوخ العشائر، والشخصيات الاجتماعية، والمنظمات السرية للحزب، وكذلك إلى عناصر البيشمركة الذين أُجبروا سابقًا على العودة إلى المدن بعد عمليات الأنفال، أو الذين أُرسلوا إلى داخل مدن كردستان بواجبات حزبية رسمية، فضلًا عن رؤساء الأفواج الخفيفة (الفرسان) من الكرد الذين كانوا ضمن صفوف النظام العراقي. وكانت الرسالة واحدة: الاستعداد للحظة الحاسمة.
كما بدأ الحزب بتوزيع قواته من فروعه وقوات البيشمركة، إلى جانب كوادر وقيادات اتحاد طلبة وشبيبة كردستان، على محاور أربيل والسليمانية وكركوك ودهوك، بالتنسيق مع بقية الأحزاب السياسية في الجبهة الكردستانية.
ثم بدأت التطورات تتسارع؛ إذ شنت الولايات المتحدة، بمساندة التحالف الدولي، هجومًا واسعًا على القوات العراقية في الكويت وجنوب العراق، وامتدت العمليات إلى بغداد ومدن أخرى، ما خلق ظرفًا مناسبًا لتحرك داخلي في كردستان.
فانطلقت الانتفاضة الشعبية في 5 آذار 1991 من مدينة رانية، ثم امتدت إلى السليمانية وحلبجة وأربيل ودهوك، وتحررت معظم مدن كردستان، باستثناء كركوك.
وبعدها اتسعت رقعة العمليات، واستهدفت مواقع القوات العراقية في محيط كركوك وداخلها، وتم تحرير المدينة ليلة عيد نوروز في 21 آذار.
وكان أبرز ما ميّز هذه الانتفاضة حالة الوحدة غير المسبوقة بين القوى السياسية الكردية؛ إذ توحدت الأحزاب في الجبهة الكردستانية، ووقفت الجماهير إلى جانب البيشمركة، وقدّمت تضحيات كبيرة. كما تجلّى هذا التماسك في مشاركة القوات المسلحة من الأفواج الخفيفة بشكل فعّال إلى جانب المنتفضين، إضافة إلى اتخاذ قرارات لتعزيز الصف الداخلي، من بينها إعلان عفو عام عن كل من كان يعمل ضمن مؤسسات النظام.
وتُعدّ انتفاضة ربيع عام 1991 محطة مفصلية في تاريخ حركة التحرر الكردية، إذ مثّلت تعبيرًا واضحًا عن إرادة الشعب الكردي وقدرته على فرض حضوره السياسي. وفي هذا السياق، اتخذ الرئيس مسعود بارزاني قرارًا بإجراء انتخابات عامة في كردستان، تمهيدًا لبناء تجربة سياسية جديدة.
ويمكن القول إن جذور هذه التحولات تعود إلى رفض النظام العراقي، طوال عقود، حل القضية الكردية سلميًا وفق اتفاقية 11 آذار 1970. فقد اختار النظام مسار الصراعات المتتالية، بدءًا من الحرب مع إيران، مرورًا بغزو الكويت، وانتهاءً بمواجهة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
تراكمت النتائج، وتوالت الهزائم، حتى انهار النظام الدكتاتوري عام 2003. وهكذا، يمكن القول إن حرب الكويت كانت إحدى المحطات التي عجّلت بسقوط صدام حسين، حين تحوّل قراره إلى شرارة أحرقت النظام نفسه.