د. محمود زايد
كنت أحد المشاركين في إحياء الذكرى الـ 123 لميلاد الزعيم الكوردي ملا مصطفى البارزاني التي أقامها مكتب الحزب الديمقراطي الكوردستاني في القاهرة، وبما أني أحد الحريصين على حضور هذه المناسبة سنويًّا بدعوة من مسؤول المكتب السيد/ شيركو حبيب، إلا أنني أستطيع أن ألحظ عدة مقاربات وأخرى مفارقات مميزة وأكثر اهتمامًا تضاف إلى ما حققته الفاعليات السابقة من تأثير مهم ونتائج إيجابية.
أولاً- أن توقيت الفاعلية جاء في مرحلة شديدة الحساسية تمر بها منطقة الشرق الأوسط في إطار ملتهب دموي تدميري على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية بسبب الحرب المندلعة من إسرائيل وأمريكا ضد إيران منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي، تلك الحرب التي لم يسلم من شرها العراق وإقليم كوردستان بسبب بعض الاعتداءات الخارجية والداخلية من بعض الفصائل العراقية، كمحاولة لاستفزاز الإقليم وإشعال بؤرة احتراب ضمن الحرب الدولية الدائرة، لكن جاء موقف الإقليم أذكى وأكثر صبرًا وحكمة في التعامل مع هذه الاعتداءات بتفويت الفرصة على المغرضين، فالكورد هم الكورد؛ سواء طالبهم ترمب بالمشاركة في هذه الحرب أم لم يطلب.
ثانيًا- حضور متميز وكبير من كادر أعضاء السفارة العراقية في القاهرة وقنصليتها، على رأسهم الدكتور فؤاد غازي نائب السفير الذي أشاد في كلمته بالزعيم الكوردي ملا مصطفى بارزاني ودوره في دعم الديمقراطية لكل العراقيين، ودوره في تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وأكد أن سيرة ملا مصطفى اقترنت بالدعوة للسلام والتسامح، وتاريخه مليء بالنضال لأجل حقوق الشعب الكوردي.
إن هذا الحضور والاهتمام من السفارة العراقية في القاهرة يؤكد مدى التعاون والثقة المتبادلة بينها وبين مكتب الحزب الديمقراطي في القاهرة فيما يحقق المصالح العليا لجميع مكونات العراق بدون تمييز أو تفريق، وهي رسالة واضحة ترد على كل من يحاول الوقيعة بين حكومتي بغداد وأربيل من خلال النفخ في بعض القضايا العالقة بين الحكومتين لتعقيدها وسد طرق الحلول السلمية والدخول في نزاع مسلح بين الطرفين، لكن لاتزال قيادة إقليم كوردستان وبعض المسؤولين في بغداد يدركون كل هذه الحيل، ولا يؤمنون إلا بالحوار والجلوس على طاولة المفاوضات انطلاقًا من عقيدة الرئيس مسعود البارزاني التي تقول: «مائة عام من التفاوض خير من ساعة واحدة من الحرب».
ثالثًا- تنوع فئات الحضور في الفاعلية من شخصيات مصرية وعراقية وكوردية دبلوماسية وأكاديمية وإعلامية وصحفية وطلبة كورد وعراقيين دارسين في مصر. ولهذا التنوع دلالات مهمة، منها: أن رسالة ملا مصطفى في الحياة لم تكن تخص فئة دون أخرى، أو مكونًا دون آخر، فرسالته شملت الجميع لتوطين قيم التعايش والتعاون والتكامل بما يضمن حقوق الجميع وفق الشرعية الدولية والدستورية والإنسانية، وهي رسالة لاتزال قيادة إقليم كوردستان حريصة عليها حتى الآن حتى صارت أربيل عاصمة الإقليم قبلة في احترام التنوع القومي والديني والمذهبي، وساحة للأمن والأمان.
وهنا، لابد من الإشادة بالجهود الكبيرة التي يقوم بها مسؤول مكتب الحزب الديمقراطي الكوردستاني في القاهرة شيركو حبيب، على صعيد توطيد علاقة مكتب الحزب بالسفارة العراقية وخدمة جميع العراقيين في مصر وفق الأطر القانونية الرسمية، وأيضًا في توطيد العلاقات الكوردية المصرية وتوسيعها لتشمل أغلب الفئات المصرية ذات الصوت المسموع في كافة الأصعدة، ولا شك أن وجود مكتب الحزب في القاهرة يحقق يومًا بعد يومٍ وسنة بعد سنة صفحة إيجابية إضافية في تاريخ ومصالح واقع ومستقبل الشعبين الكوردي والمصري.
رابعًا- اتفقت السفارة العراقية ومكتب الحزب الديمقراطي في القاهرة على إيمان العراق بأهمية السلام في المنطقة واحتياجه الحتمي له، وأكد شيركو حبيب أن احترام الكورد لدول الجوار العراقي التي تربطهم بهم علاقات تاريخية لا يعني أن العراق جزء أو قسم من هذه الدول، بل هو دولة ذات سيادة واستقلال.
خامسًا- أخذ شيركو حبيب الأنظار حينما كان صريحًا في توجيه رسالة شديدة اللهجة لجهات وصفها بـ «الخارجة عن القانون»، تحاول في ظل الحرب الدائرة، جر العراق إليها وتوريطه فيها مع أنه لا ناقة له فيها ولا جمل، وهو ما ينعكس سلبًا على الشعب العراقي الذي لم يتعافَ تمام التعافي بعد من الحروب والاقتتال التي مر بها خلال العقود الماضية. وارتفعت نبرة صوت حبيب إلى أعلى حينما حذر تلك الجهات من اللعب بالنار، وطالبها بعدم إثارة الرعب والبلبلة في قصف إقليم كوردستان بحجج وهمية، وأكد لهم أن الكورد ليسوا مع الحرب، بل مع السلام والاستقرار في المنطقة.
سادسًا- كانت مُهِمّةً تلك الرسالة الواضحة التي وجهها شيركو حبيب إلى المختلفين مع الكورد، وكأنه كان يقول لهم: تعالوا إلى كلمة سواء، حينما ناشدهم بالمشاركة العملية في الحفاظ على العراق من أي تهديد، والعمل على تقوية الجبهة الداخلية، وحلحلة الخلافات بين بغداد وأربيل حسب الدستور، ولاسيما وأن التعاون بين حكومتي بغداد وأربيل في هذه المرحلة بات أكثر ضرورة وإلحاحا من أي وقت مضى، فخطورة الحرب الدائرة ضد إيران من قبل إسرائيل وأمريكا تفوق كافة المخاطر التي مر بها العراق منذ إقرار الدستور عام 2005م. وذكّرهم حبيب بأن العراق بلد عظيم، به قادة كبار يدركون قيمته ومقدار شعبه وما يستحقه، وأن الزعيم الكوردي مسعود البارزاني دائما ما يؤكد أن التوافق بين كافة مكونات العراق وقواه السياسية ممكن وسهل طالما توافرت الإرادة الوطنية.
سابعًا- إن فلسفة ملا مصطفى في الحياة وسيرته النضالية التي سردها شيركو حبيب في كلمته علينا جديرة بأن تجعل ملا مصطفى زعيمًا كورديًّا فريدًا، وأنه بات رمزًا وعنوانًا للشعب الكوردي، وأنه هو الذي عرف كوردستان بالعالم، وباسمه عرف العالم كوردستان؛ وعليه تأكد للحضور أن ملا مصطفى سيبقى خالدًا أبد الدهر، ترفرف روحه على سماء كوردستان من أجل السلام والمحبة، وسيبقى يوم مولده في ١٤ من مارس يومًا مضيئا من تاريخ الشعب الكوردي.