أحمد زبير باني
في السياسة، لا تُقاس القرارات بما يُقال عنها، بل بما تُحدثه من تحوّلٍ في مسار الأحداث. ومن هذا المنظور، لم يكن نداء مسعود البارزاني بشأن استئناف تصدير نفط إقليم كوردستان مجرد موقفٍ عابر، بل إشارة انطلاقٍ لمرحلةٍ مختلفة، تُختبر فيها قدرة بغداد وأربيل على الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة التفاهمات.
لقد جاء هذا النداء في لحظةٍ بلغ فيها الجمود مداه، حيث لم يعد النفط مسألة اقتصادية بحتة، بل تحوّل إلى مرآةٍ تعكس عمق التعقيد السياسي بين المركز والإقليم. فالتوقف لم يكن مجرد انقطاعٍ في التدفق، بل تعطّلٌ في دورةٍ كاملة من الثقة والالتزام؛ الرواتب، الخدمات، والاستقرار الاجتماعي—كلها أصبحت رهينة قرارٍ سياسي لم يُحسم في وقته.
هنا، لم يطرح البارزاني مبادرته كخيارٍ أحادي، بل كدعوةٍ مزدوجة: إلى بغداد كي تتعامل مع الملف بوصفه شأنًا وطنيًا لا نزاعًا إداريًا، وإلى أربيل كي تمضي في مسارٍ واقعي يوازن بين الحقوق والالتزامات. كانت الرسالة واضحة: لا يمكن للاقتصاد أن ينتظر اكتمال الخلافات السياسية، ولا يمكن للسياسة أن تواصل تجاهل كلفة التعطيل.
غير أن قيمة النداء لا تُقاس فقط بوضوحه، بل بقدرته على التحوّل إلى فعل. وهنا برز دور مسرور البارزاني، الذي نقل المبادرة من مستوى الخطاب إلى مستوى القرار، عبر الدفع نحو إقرار استئناف التصدير، في خطوةٍ تعكس إدراكًا بأن الفرص السياسية لا تدوم، وأن التأخير قد يعني خسارة لحظة نادرة من التلاقي.
هذا التلاقي، وإن بدا هشًا، إلا أنه يحمل في طياته إمكانياتٍ أوسع. فاستئناف تصدير النفط عبر الأنابيب الممتدة نحو ميناء جيهان في تركيا لا يمثل مجرد عودةٍ تقنية للتدفق، بل إعادة فتحٍ لقناةٍ استراتيجية بين الاقتصاد والسياسة. إنها لحظة يُعاد فيها تعريف “المصلحة المشتركة” لا كشعار، بل كضرورة.
وبينما تبدو الصورة في ظاهرها اقتصادية، فإن جوهرها سياسي بامتياز. فكل برميلٍ يُصدَّر يحمل معه اختبارًا جديدًا للثقة: هل تستطيع الأطراف الالتزام بما تم الاتفاق عليه؟ وهل يمكن تحويل هذا الملف من مصدر توترٍ دائم إلى نموذجٍ للتعاون الممكن؟
الإجابة ليست سهلة؛ فالتعقيدات لم تختفِ، بل ما تزال قائمة في خلفية المشهد: تفسيرات دستورية متباينة، مصالح متشابكة، وضغوط داخلية وخارجية. ومع ذلك، فإن ما تغيّر هو حضور إرادة—ولو محدودة—لكسر حالة الجمود. وهذه الإرادة، إن استمرت، قد تفتح الباب أمام مقاربةٍ جديدة لا تقوم على تأجيل الخلافات، بل على إدارتها ضمن أطرٍ عملية.
إن ما بين نداء مسعود البارزاني وحسم مسرور البارزاني، تتشكل معادلة سياسية دقيقة: رؤيةٌ تُدرك حجم الأزمة، وقرارٌ يغامر بمحاولة حلّها. وبين الاثنين، يقف النفط كأداةٍ تتجاوز وظيفته الاقتصادية ليصبح لغةً سياسية قائمة بذاتها—لغة تقول إن الشراكة، مهما تعثرت، تبقى أقل كلفة من القطيعة.
في النهاية، قد لا يكون هذا المسار نهايةً للأزمة، لكنه بالتأكيد ليس تفصيلًا عابرًا. إنه اختبارٌ لقدرة العراق على إعادة تعريف نفسه من الداخل، عبر بناء توازنٍ جديد بين المركز والإقليم—توازنٌ لا يُفرض بالقوة، بل يُصاغ بالمصلحة. ومن هذا الباب، يصبح النفط ليس فقط موردًا للدخل، بل مفتاحًا لفهم شكل الدولة التي لا تزال قيد التشكّل.