د.لبنى مرتضى
سورية_دمشق
تعتبر دراسة سيكولوجيا القرارات من المجالات المحورية في فهم السلوك البشري، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقرارات السياسية التي تمس حياة المجتمعات والدول. يجمع هذا المجال بين علم النفس المعرفي والاجتماعي والعلوم السياسية لفهم كيفية اتخاذ الأفراد والجماعات للقرارات في السياق السياسي.
فتعتمد عملية اتخاذ القرار على تفاعل معقد بين العوامل المعرفية والعاطفية والاجتماعية.و تشير الأبحاث في هذا المجال إلى أن البشر لا يتخذون قراراتهم بناءً على تحليل عقلاني محض، بل تتأثر قراراتهم بالعديد من التحيزات المعرفية مثل :
الانحياز التأكيدي أي ميل الأفراد للبحث عن معلومات تدعم معتقداتهم الحالية.
التفاؤل غير الواقعي وهو تقدير احتمالية النتائج الإيجابية بشكل مبالغ فيه.
. النفور من الخسارة أي تفضيل تجنب الخسائر على تحقيق المكاسب
ويشير مصطلح الغباء السياسي إلى القرارات والسياسات التي تبدو غير عقلانية أو مضادة للمصلحة العامة، رغم توفر المعلومات الكافية لاتخاذ قرار أفضل. ويمكن تصنيف هذا المفهوم إلى عدة أبعاد: وهي فيما يتعلق أولا بالغباء المعرفي حيث يتم ذلك عبر دراسة سيكولوجيا القرارات من المجالات المحورية
في فهم السلوك البشري، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقرارات السياسية التي تمس حياة المجتمعات والدول. يجمع هذا المجال بين علم النفس المعرفي والاجتماعي والعلوم السياسية لفهم كيفية اتخاذ الأفراد والجماعات للقرارات في السياق السياسي.
يشير مصطلح “الغباء السياسي” إلى القرارات والسياسات التي تبدو غير عقلانية أو مضادة للمصلحة العامة، رغم توفر المعلومات الكافية لاتخاذ قرار أفضل. يمكن تصنيف هذا المفهوم إلى عدة أبعاد:
الغباء المعرفي:
يتعلق ذلك بالقصور في معالجة المعلومات وتحليلها، مثل تجاهل البيانات المتاحة أو إساءة تفسيرها بسبب التحيزات المعرفية.
الغباء الاجتماعي:
ينشأ من ديناميكيات الجماعة, مثل التفكير الجماعي حيث يسعى أعضاء المجموعة للتوافق على حساب التقييم الواقعي للبدائل.
: الغباء المؤسسي
ينتج عن هيكل المؤسسات السياسية وإجراءاتها التي قد تعيق اتخاذ القرارات الرشيدة.
فقد تتعدد الأسباب التي تؤدي إلى ما يمكن وصفه بالغباء السياسي وذلك ضمن:
الاعتبارات الأيديولوجية: التمسك بأيديولوجيات معينة حتى عندما تتعارض مع الواقع.
المصالح الذاتية: تقديم المصالح الشخصية أو الحزبية على المصلحة العامة.
ضغوط الناخبين: الاستجابة لمطالب شعبوية قصيرة المدى على حساب الاستدامة طويلة المدى.
. القيود المعرفية: صعوبة معالجة المعلومات المعقدة في بيئات غير مؤكدة
: أهمية فهم سيكولوجيا القرارات السياسية
يساعد فهم سيكولوجيا القرارات والغباء السياسي في:
تطوير آليات لتحسين جودة القرارات السياسية.
تصميم مؤسسات تحد من تأثير التحيزات المعرفية.
تعزيز ثقافة نقدية تساعد في مساءلة صناع القرار.
فهم الأخطاء التاريخية وتجنب تكرارها.
وتمثل دراسة سيكولوجيا القرارات والغباء السياسي مجالاً حيوياً لفهم تعقيدات الحكم وصنع السياسات فبينما نميل إلى افتراض أن القرارات السياسية تستند إلى تحليل عقلاني للمعطيات، يكشف علم النفس المعرفي والاجتماعي عن صورة أكثر تعقيداً، حيث تتفاعل العوامل النفسية والاجتماعية والمؤسسية لتشكل نتائج قد تكون بعيدة عن المصلحة العامة. إن الوعي بهذه الآليات يشكل خطوة أساسية نحو تحسين جودة القرارات السياسية وتفادي أخطاء الماضي.
وبالتأكيد. التاريخ مليء بالقرارات السياسية التي وصفت بـ”الغباء” بسبب نتائجها الكارثية التي كانت متوقعة أو بسبب تجاهلها للحقائق الأساسية. إليك بعض الأمثلة الحية من التاريخ الحديث والقديم:
غزو العراق للكويت: (1990)
القرار: أمر الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين بغزو واحتلال دولة الكويت المجاورة.
لماذا اعتبر غباءً سياسياً؟
– حسابات خاطئة: اعتقد صدام أن المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة، لن يتدخل عسكرياً. لكنه تجاهل أن الكويت كانت حليفاً رئيسياً للغرب ومصدراً مهماً للنفط.
استنفار تحالف عالمي: أدى القرار إلى تشكيل أوسع تحالف عسكري منذ الحرب العالمية الثانية لتحرير الكويت.
النتيجة الكارثية: دمر الجيش العراقي بالكامل في حرب الخليج الثانية (1991)، وفرضت على العراق عقوبات اقتصادية خانقة استمرت عقداً من الزمن، ودمرت البنية التحتية للبلاد.
قرار الحرب على العراق (2003) بناءً على معلومات مضللة.
القرار: غزو التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة للعراق للإطاحة بنظام صدام حسين
– لماذا اعتبر غباءً سياسياً؟
الاستناد إلى أكاذيب أو تضليل: كان المبرر الرئيسي للحرب هو امتلاك العراق أسلحة دمار شامل تشكل تهديداً وشيكاً. بعد الغزو، تبين أن هذه المعلومات كانت خاطئة ولم يتم العثور على أي أسلحة من هذا القبيل.
تدمير توازن إقليمي: بإزالة النظام العلماني (على الرغم من ديكتاتوريته)، تم فتح الباب أمام نفوذ إيراني كبير في العراق وخلق فراغ أمني أدى إلى حرب أهلية طائفية شرسة.
صعود الإرهاب: أدى الغزو والفوضى التي تلت ذلك إلى تحويل العراق إلى أرض خصبة لتنظيم القاعدة، ومن ثم إلى ولادة تنظيم “داعش” لاحقاً، الذي امتدت إرهابها إلى العالم.
. خطة شليسفيغ-هولشتاين (قانون التفوق) في إسرائيل (2018)
القرار: إقرار قانون أساسي يكرس “إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي” ويخفض مكانة اللغة العربية من رسمية إلى “خاصة”، ويصف الاستيطان اليهودي بأنه “قيمة وطنية” تعمل الدولة على تعزيزها
– لماذا اعتبر غباءً سياسياً؟
إشعال غضب الأقلية العربية: القانون، الذي وصفه الناقدون بأنه عنصري، أدى إلى استياء عميق بين المواطنين العرب في إسرائيل (حوالي 20% من السكان)، مما عزز شعورهم بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية.
ضرر دبلوماسي: أضر القانون بصورة إسرائيل في الخارج وزود منتقديها بذخيرة دبلوماسية قوية، واعتبرته جهات دولية (مثل بعض منظمات حقوق الإنسان) بمثابة تشريع للفصل العنصري.
توتير العلاقات مع الشتات: أثار القانون جدلاً مع الجاليات اليهودية في الخارج، وخاصة في الولايات المتحدة، التي شعرت أن القانون يتجاهل القيم اليهودية الديمقراطية والمساواة.
. معاهدة فرساي (1919)
القرار: فرض الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى معاهدة قاسية على ألمانيا، تضمنت تجريدها من قوتها العسكرية، وانتزاع أجزاء من أراضيها، وفرض تعويضات مالية ضخمة عليها.
– لماذا اعتبر غباءً سياسياً؟
خلق أرض خصبة للتطرف: تسببت المعاهدة في إذلال اقتصادي ووطني عميق لألمانيا. البطالة الجماعية والتضخم الجامح (الذي وصل لدرجة أن الناس كانوا يحملون سلالاً من النقود لشراء رغيف خبز) مهدا الطريق لصعود أدولف هتلر والحزب النازي.
تأجيج الحرب العالمية الثانية: بدلاً من تأمين السلام الدائم، وضعت المعاهدة الأساس لاندلاع حرب عالمية ثانية أكثر دموية بعد عقدين فقط. وصف الاقتصادي الشهير جون مينارد كينز المعاهدة بأنها “سلام قرطاجي” هدفه تدمير العدو، وليس بناء سلام مستدام.
. الانسحاب الأمريكي الفوضوي من أفغانستان (2021)
القرار: تنفيذ الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من أفغانستان بموجب اتفاق مع حركة طالبان، ولكن بطريقة فوضوية وسريعة وغير منسقة مع الحكومة الأفغانية.
– لماذا اعتبر غباءً سياسياً؟
الانهيار السريع للحكومة: أدى الإعلان عن الانسحاب إلى انهيار الروح المعنوية للجيش الأفغاني والقوات الحكومية، الذين استسلموا لطالبان بسرعة غير متوقعة دون قتال يذكر، رغم إنفاق عشرات المليارات من الدولارات على تدريبهم وتجهيزهم.
كارثة إنسانية وصورة مهزوزة: شهد العالم مشاهد مروعة لأفغان يتساقطون من طائرات عسكرية أمريكية وهم يحاولون الفرار من البلاد. أعادت هذه المشاهد تشكيل صورة أمريكا كقوة غير موثوقة وتخلف حلفاؤها.
عودة طالبان: بعد 20 عاما من الحرب وآلاف القتلى عادت طالبان إلى حكم البلاد كما لو كانت الحرب لم تكن مما اعتبره كثيرون إهدارا كاملا للجهد والموارد والدماء.