الجزء الأول
لم يلتزم نظام صدام حسين باتفاقية 11 آذار 1970 الخاصة بحل القضية الكردية، بل تنكّر لها، ثم اتجه إلى توقيع اتفاقية الجزائر مع شاه إيران عام 1975، بوساطة جزائرية ودعم أمريكي، في خطوة عكست نهجًا سياسيًا قائمًا على المناورة أكثر من الالتزام. وقد تنازل بموجبها عن شط العرب ومناطق حدودية مثل زين القوس وخضر وهيله، مما أثار موجات واسعة من النقد والسخط الشعبي في العراق وعدد من الدول العربية.
في عام 1979، تغيّر المشهد مع نجاح الثورة الإسلامية في إيران وسقوط نظام الشاه، فأقدم صدام حسين على إلغاء اتفاقية الجزائر من جانب واحد، وهو قرار لم توافق عليه إيران، ما أدى إلى اندلاع الحرب بين البلدين التي استمرت ثماني سنوات. وكانت حربًا طويلة استنزفت قدرات العراق وأثقلت كاهله اقتصاديًا وعسكريًا.
وخلال تلك المرحلة، لم يكن الوضع الداخلي في العراق مستقرًا؛ إذ استمرت الأزمات مع كوردستان، وبرز احتقان واضح في الوسط الشيعي، في ظل غياب التعددية الحزبية وانعدام حرية التعبير والحريات المدنية والسياسية. ولم تكن هذه المفاهيم تحظى بأي حضور في قاموس حزب البعث الحاكم، إلى جانب تفاقم الأزمات الاقتصادية، ما أدى إلى حالة سخط شعبي واسعة، حيث لم يكن غالبية العراقيين، من الجنوب إلى الشمال، راضين عن النظام.
وأمام هذا الواقع، لم يتجه النظام إلى معالجة أزماته الداخلية، بل لجأ إلى خيار خارجي تمثل في غزو الكويت عام 1990، في محاولة لصرف الأنظار عن الأوضاع الداخلية وتفريغ الأزمة. إلا أن هذا القرار شكّل خطأً استراتيجيًا فادحًا، إذ ظنّ صدام حسين أن العالم سيتغاضى عن هذه الخطوة، ولم يدرك أن تحالفًا دوليًا سيتشكل لإجباره على الانسحاب.
وفي تلك الفترة، شهدت الساحة الإعلامية والسياسية في الولايات المتحدة نقاشًا حول مصدر التهديد في الشرق الأوسط، حيث نشر أحد الصحفيين مقالًا موجّهًا للرأي العام تساءل فيه: من يهدد مصالح الغرب في المنطقة؟ السعودية أم مصر أم العراق؟
وقد خلص في تحليله إلى أن السعودية، رغم امتلاكها ثروة كبيرة وجيشًا مجهزًا بأسلحة متطورة، تفتقر إلى الخبرة القتالية، ولم تخض حروبًا فعلية، وبالتالي لا تُعد تهديدًا مباشرًا. أما مصر، فتمتلك جيشًا قويًا وخبرة عسكرية وموارد بشرية كبيرة، لكنها تعاني من ضعف اقتصادي يجعلها غير قادرة على خوض حرب كبرى طويلة الأمد، ما يقلل من مستوى تهديدها الاستراتيجي.
في المقابل، اعتبر العراق التهديد الأبرز، نظرًا لامتلاكه موارد مالية وبشرية، وقوة عسكرية ذات خبرة، إلى جانب أسلحة متطورة، ما يجعله قادرًا على تهديد مصالح الولايات المتحدة والغرب في المنطقة، وهو ما قاد إلى طرح فكرة إضعافه أو حتى تقسيمه.
وبعد غزو العراق للكويت في أغسطس/آب 1990، تحركت الولايات المتحدة على عدة مسارات، فتواصلت مع أطراف من المعارضة العراقية، ولا سيما الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة الرئيس مسعود بارزاني، كما أرسلت مبعوثين إلى عدد من الدول الحليفة في المنطقة، منها تركيا والأردن ومصر والسعودية ودول الخليج، لاستطلاع آرائهم بشأن الوضع السياسي الجديد وكيفية التعامل مع سياسات صدام العدائية.
غير أن المواقف الإقليمية لم تكن موحدة؛ إذ رفضت تركيا بشكل واضح فكرة تقسيم العراق، خشية أن يؤدي ذلك إلى قيام كيان كردي في كوردستان العراق قد ينعكس على وضعها الداخلي، ويشجع الكورد داخل تركيا على المطالبة بحقوقهم أو السعي لتأسيس كيان مستقل. كما رفضت دول الخليج والدول العربية هذه الفكرة، انطلاقًا من اعتبار العراق دولة عربية لا يجوز تقسيمها، فضلًا عن تخوفها من قيام كيان سياسي شيعي قد يشكل تهديدًا للأمن القومي العربي، خاصة في دول الخليج، وقد يمنح إيران فرصة لتوسيع نفوذها في المنطقة.
في المقابل، برز توجه آخر يقوم على إبقاء العراق ضعيفًا دون تقسيمه، وهو ما انعكس في طبيعة العمليات العسكرية اللاحقة، حيث شُنّ هجوم واسع على الجيش العراقي في الكويت، ثم في جنوب العراق، وامتد إلى بغداد ومدن أخرى، ما أدى إلى إجبار العراق على الانسحاب، وتدمير جزء كبير من قدراته العسكرية، وفرض عقوبات اقتصادية قاسية عليه، فضلًا عن تفكيك أسلحة الدمار الشامل عبر لجان التفتيش التابعة للأمم المتحدة.
واليوم، ومع تصاعد التوتر في المنطقة، يبدو أن المشهد قد يتكرر بصيغة مختلفة، إذ يُرجّح أن تسعى الولايات المتحدة إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وبرامجها التسليحية، ووقف برنامجها النووي، وربما الدفع نحو إضعاف النظام أو تقسيم إيران إلى كيانات أصغر إن أمكن. غير أن هذا التوجه لا يلقى قبولًا لدى عدد من الأطراف، من بينها سوريا وتركيا، وكذلك غالبية القوى الشيعية في العراق.
ومن جهة أخرى، أبلغت تركيا الولايات المتحدة رسميًا رفضها تسليح الكورد في كوردستان الشرقية أو تشجيعهم على القيام بانتفاضة شعبية للسيطرة على المدن الكوردستانية.
المستشار الأقدم
دژوارفائق