أصالة مصطلح كوردستان: حقائق التاريخ والجغرافيا في مواجهة دعاوى الإنكار والتشكيك

أ.د.خليل مصطفى عثمان

تضرب جذور مصطلح كوردستان في عمق التاريخ البشري، ليعبر عن حيز جغرافي وبشري تميز بخصائص إثنوغرافية وجيوسياسية فريدة عبر العصور، فعلى الرغم من أن المصطلح بصيغته الحالية “كوردستان” (أرض الكورد) المكون من شقين: “كورد” واللاحقة الإيرانية “ستان” التي تعني المكان، لم يظهر في الوثائق الإدارية إلا في العصور الوسطى، إلا أن الإشارات التاريخية إلى الأرض وسكانها تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، حيث تذكر الكتابات السومرية والأكادية شعوباً سكنت جبال زاگروس وطوروس بأسماء مثل “كورتي” و”غوتي” و”لولوبي”، وهي تسميات يربطها الكثير من الباحثين بالأصول الأولى للشعب الكوردي وموطنه الجغرافي.
وفي العصور الكلاسيكية القديمة، وتحديداً في القرن الرابع قبل الميلاد، سجل المؤرخ اليوناني زينوفون في كتابه “الأناباسيس” مواجهته مع “الكاردوخيين” (Carduchoi) في ذات الجغرافيا الجبلية التي تُعرف اليوم بكوردستان، كما تشير المصادر الرومانية والأرمنية القديمة إلى وجود مملكة “كوردوين” (Corduene) أو “كاردو” التي كانت تقع في جنوب شرق الأناضول وشمال بلاد ما بين النهرين، وهو ما يمثل تجسيداً سياسياً وجغرافياً مبكراً لكيان مرتبط باسم الشعب الكوردي في العصور القديمة.
من الناحية الجيوفيزيائية والموقع الجغرافي، تقع كوردستان في قلب الشرق الأوسط، حيث تشكل جسراً طبيعياً يربط بين الهضبة الإيرانية وشبه جزيرة الأناضول، ممتدة تقريباً بين خطي عرض 34 و40 درجة شمالاً، وخطي طول 38 و48 درجة شرقاً. وتتسم جغرافيتها بطابع جبلي وعر يهيمن عليه نظام “حزام ألبي-هيمالايا”، حيث تلتقي فيها سلاسل جبال زاگروس الممتدة من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي مع سلاسل جبال طوروس، وتضم أعلى قمم المنطقة مثل جبل “آرارات”. هذا الموقع الاستراتيجي جعلها خزان المياه الرئيسي في المنطقة، حيث تنبع منها أو تمر بها أعظم الأنهار التاريخية كدجلة والفرات والزابين، مما منحها أهمية بيئية واقتصادية بالغة عبر العصور.
ومع حلول العصر الإسلامي، بدأ اسم الكورد يظهر بكثافة في كتب الفتوحات والبلدان، لكن المصطلح الجغرافي “كردستان” كاسم لولاية إدارية رسمية لم يتبلور إلا في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي، وتحديداً في العهد السلجوقي على يد السلطان سنجر بن ملكشاه، الذي أطلق هذه التسمية على إقليم واسع يمتد من همدان شرقاً إلى شهرزور غرباً، لتكون هذه المرة الأولى التي يُستخدم فيها المصطلح في سياق سياسي وإداري رسمي موثق. وتلا ذلك توسع في الدلالة المكانية للمصطلح في كتابات الجغرافيين المسلمين مثل حمد الله المستوفي القزويني في القرن الرابع عشر، الذي قدم وصفاً دقيقاً لحدود كوردستان وثرواتها. ومن الجدير بالذكر أن هذا الاستخدام الإداري استمر وتطور في الجوار الإيراني، حيث حافظت الدولة الإيرانية تاريخياً وحديثاً على تسمية “محافظة كردستان” (استان كردستان) وعاصمتها “سنندج” ككيان إداري رسمي معترف به ضمن التقسيمات السياسية الإيرانية، مما يعكس استمرارية تاريخية للمسمى في الفضاء الجيوسياسي الإقليمي.
وفي العصور الوسطى المتأخرة، شهد المصطلح نضجاً معرفياً وتاريخياً كبيراً، تجلى بوضوح في مؤلف “شرفنامة” للأمير شرف خان البدليسي عام 1597، حيث وضع أول تعريف شامل وجامع لحدود كوردستان الكبرى، واصفاً إياها بأنها تمتد من سواحل الخليج العربي جنوباً وصولاً إلى حدود بلاد الأرمن والكرج شمالاً. ومع اشتداد الصراع العثماني الصفوي في القرن السابع عشر، أصبحت كردستان ساحة للصراع الدولي، مما أدى لتقسيمها السياسي الأول بموجب معاهدة “قصر شيرين” عام 1639، ومع ذلك، ظل مصطلح كوردستان مستخدماً في الدوائر الرسمية العثمانية، حيث أُنشئت “إيالة كردستان” في منتصف القرن التاسع عشر كولاية معترف بها رسمياً قبل أن تتبدل المسميات نتيجة التحولات السياسية اللاحقة.
أما في العصر الحديث، فقد شهد مصطلح كوردستان تحولات قانونية كبرى وموثقة في القانون الدولي والدساتير الوطنية حيث ثبت اسم كوردستان في مؤتمر السلام في باريس1919؛كما اعطيت معاهدة سيفر الحق للكورد في انشاء دولة كردستان عام1920؛ وبعد إقصاء المصطلح في معاهدة لوزان عام 1923، عاد ليفرض نفسه كواقع سياسي في العراق من خلال “اتفاقية 11 آذار 1970” التاريخية، التي وقعتها الحكومة العراقية مع القيادة الكوردية برئاسة الزعيم الملا مصطفى بارزاني، وهي الاتفاقية التي وثقت لأول مرة حق “الحكم الذاتي” لمنطقة كوردستان العراق، معترفة بخصوصية هذا الإقليم القومية والجغرافية. وقد توج هذا المسار التاريخي والقانوني باعتراف دستوري كامل في “دستور العراق لعام 2005″، الذي ثبت مسمى “إقليم كردستان” ككيان فيدرالي شرعي يتمتع بصلاحيات دستورية واسعة. ومن الناحية الديموغرافية، يشير التقدير العلمي المعاصر لعدد سكان هذه الجغرافيا التاريخية إلى وجود كتلة بشرية كبرى تتراوح ما بين 35 إلى 45 مليون نسمة موزعين بين تركيا وإيران والعراق وسوريا، بالإضافة إلى الشتات في أوروبا، مما يجعلهم واحداً من أكبر المكونات البشرية في الشرق الأوسط التي حافظت على هويتها المرتبطة بهذا المسمى الجغرافي العريق “كوردستان” عبر آلاف السنين.

قد يعجبك ايضا