مسرور بارزاني… وقار الموقف وصلابة الدولة في اختبارات السيادة الوطنية

فينوس بابان

حين أُغلق مضيق هرمز أمام شريان الحياة الاقتصادي للعراق، لم تكن اللحظة مجرد اختناق تقني في مسارات التصدير التقليدية بل كانت زلزالاً جيوسياسياً وضع الدولة العراقية بكافة مؤسساتها واتجاهاتها أمام مرآة الحقيقة وكشفت عن الحاجة الماسة لنمط من القيادة الذي لا يكتفي بإدارة الأزمات اليومية بل يمتلك الرؤية الشاملة لتحويل التهديد الوجودي إلى فرصة استراتيجية لإعادة صياغة العقد الوطني على أسس متينة في هذا السياق التاريخي الحرج برزت خطوة السيد مسرور بارزاني رئيس حكومة إقليم كوردستان ليس كإجراء إداري عابر أو استجابة لظرف طارئ بل كدرس بليغ في الإدارة الرشيدة والدبلوماسية الهادئة التي تعلي مصلحة المجموع فوق الحسابات الضيقة وتجهض في طريقها قراءات قاصرة ومغرضة حاولت بوعي أو بغير وعي زج إقليم كوردستان في سياقات مغلوطة تهدف إلى تصويره ككيان منكفئ عن مسؤولياته الاتحادية في لحظة العسرة الوطنية.
لقد كانت الأزمة في جوهرها اختباراً لصلابة النظام السياسي والدستوري حيث كشفت أن التعويل على المسارات الأحادية في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب يمثل مخاطرة كبرى بهيبة الدولة واستقرارها المالي ومستقبل أجيالها وهنا تجلت براعة رئيس حكومة إقليم كوردستان في تقديم خط كركوك – جيهان ليس كمجرد بديل جغرافي أو ممر اضطراري بل كمنطلق قانوني وأخلاقي لإعادة تفعيل الشراكة الدستورية التي نصت عليها المادتان (111) و(112) من الدستور العراقي إن قبول الإقليم بتمرير النفط عبر أراضيه في تلك اللحظة التي حبس فيها الجميع أنفاسهم كان حركة استراتيجية ذكية نقلت الملف النفطي من زوايا التنفيذ الفني الضيقة إلى صدارة الالتزام التشريعي والسياسي مما أجبر كافة الأطراف على مواجهة الفراغ القانوني الذي ظل معلقاً لسنوات بسبب غياب قانون النفط والغاز الاتحادي المؤطر للدستور.
هذا التحول الاستراتيجي الذي قاده السيد مسرور بارزاني أثبت عملياً أن قوة الإقليم ورصانة مؤسساته هي في الواقع درع اقتصادي يحمي الدولة الاتحادية من الانهيار في لحظات الانكفاء الجيوسياسي مسقطاً بذلك كل الرهانات التي كانت تروج لفكرة أن الإقليم قد يتردد في مد يد العون أو أنه يغرد خارج السرب الوطني لقد حاول البعض عبر حملات تضليلية ممنهجة تصوير تمسك الإقليم بحقوقه الدستورية على أنه نوع من الانفصال الاقتصادي لكن الواقع كشف زيف هذه الادعاءات ففي اللحظة التي تعطلت فيها رئات العراق الجنوبية كانت رئة كوردستان الشمالية هي التي تضخ الأوكسجين في جسد الدولة مما أخرس الأصوات التي كانت تقتات على تأزيم العلاقة بين أربيل وبغداد وتدفع باتجاه القطيعة والصدام غير المبرر.
إن رجل الدولة الحقيقي كما تجسد في شخص السيد مسرور بارزاني هو من يمتلك القدرة على الصمت المنتج حين يرتفع ضجيج الشعارات الجوفاء وهو من يختار لغة الإنجاز الفعلي على الأرض لتكون الرد الأمثل على محاولات التشويه أو الزج في تجاذبات جانبية لا تخدم سوى دعاة الفوضى فبينما كان البعض يخطط لعرقلة مسارات التفاهم ويراهن على فشل الإدارة المشتركة للموارد كان رئيس حكومة إقليم كوردستان يضع الركائز لواقع سياسي جديد تكون فيه إدارة الثروات الوطنية مسؤولية تضامنية لا ساحة للصراع الأحادي لقد نجح في تحويل الضغوط الخارجية والتهديدات الإقليمية إلى أداة لترسيخ السيادة الداخلية وتثبيت نفوذ العراق كلاعب دولي موثوق بفضل تماسك جبهته الداخلية وقدرة قادته على استشراف المستقبل بعين الحكمة لا بعين الانفعال اللحظي إن إدارة الأزمات الكبرى لا تُقاس بالصراخ أو بمحاولات كسر الإرادات بل بالقدرة على خلق توازنات دقيقة تحفظ حقوق الإقليم كوردستان وتصون هيبة المركز في آن واحد وهو ما أثبت أن الفيدرالية في جوهرها هي توزيع ذكي للمسؤوليات والمخاطر وليست مجرد تقاسم للمناصب أو الثروات هذه الرؤية العميقة لم تكن وليدة الصدفة أو نتاج ظرف طارئ بل هي تجسيد حي لعقيدة سياسية راسخة في فكر القيادة الكوردستانية تؤمن بأن قدر هذا الوطن محكوم بالتكامل لا بالتصادم وبالتعاون لا بالتنافس الإلغائي إنها العقيدة التي تترفع عن الحسابات الفئوية الضيقة لصالح البقاء العظيم والمستقبل المشترك لكل العراقيين بمختلف مكوناتهم وهي التي حولت أزمة هرم من تهديد اقتصادي محقق إلى نصر دبلوماسي وقانوني أعاد تعريف قواعد العمل السياسي في البلاد ولعل أبلغ الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا التحليل هو أن تلك القيادة التي تعرضت لمحاولات عزل بائسة هي نفسها التي قدمت الحلول الناجعة للدولة مما يضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية لمراجعة المواقف وتصحيح القراءات الخاطئة إن الدولة لا تُدار بالعناد السياسي ولا بإثارة الأزمات المفتعلة بل تُدار بالمرونة الاستراتيجية التي تجعل من مصلحة المواطن الهدف الأسمى ومن الدستور المظلة الحقيقية التي تحمي الجميع. لقد أدرك رئيس حكومة إقليم كوردستان أن حماية استقرار بغداد هو حماية لأربيل وأن أي تصدع في جدار الدولة سينعكس على الجمي لذا جاءت مبادرته لتؤكد أن الإقليم ليس مجرد طرف في معادلة النزاع بل هو شريك استراتيجي وقائد في صناعة الحلول الوطنية الكبرى محطماً بذلك أحلام من أرادوا زج الإقليم في صراع لإضعاف الدولة من الداخل.
وفي الختام فإن هذا المسار الحكيم في إدارة الأزمة يعيدنا بالضرورة إلى الجوهر الوجداني الذي أرسى دعائمه رئيس الحكومة مسرور بارزاني بمقولته التاريخية الموجهة لأبناء شعبه “نعيش معاً أو نموت معاً”. إنها ليست مجرد كلمات خطابية، بل هي ميثاق تلاحم مصيري يربط القيادة بالشعب، ويؤكد أن كوردستان بكل مكوناتها وأطيافها جسد واحد. يترجم السيد مسرور بارزاني هذا القسم اليوم إلى سياسات صمود وتحدٍ معتبراً أن كرامة العيش واستقرار الإقليم هما خط أحمر وأن أي استهداف لوحدة هذا الشعب أو قوته هو استهداف لوجودنا الجماعي الذي لا يقبل القسمة.
لذا فإن تجاوز الأزمة عبر بوابة الإقليم لم يكن مجرد استئناف لتدفق النفط أو معالجة لخلل عابر بل كان إعادة تعريف للهوية السياسية للعراق كدولة قوية بتنوعها ومنيعة بحكمة قادتها الذين يترفعون عن الصغائر لصالح بناء وطن يسوده التوازن والعدل لقد انتصر منطق الدولة الفيدرالية الناجحة على منطق اللعب في الوقت الضائع، وبقيت حكمة السيد مسرور بارزاني منارةً تثبت أن القيادة الرشيدة هي التي تعيد صياغة المسار التاريخي للبلاد محولةً أصعب الظروف إلى منصات للانطلاق نحو مستقبل يسوده العيش المشترك والكرامة الإنسانية للجميع.

قد يعجبك ايضا