عبدالسلام برواري
في لحظة تصاعد فيها الخلاف حول تصدير النفط، ورواتب الإقليم، والدولار التجاري، ونظام (اسیکودا) الگمركي، جاء تدخل الرئيس مسعود بارزانی ليؤكد أن الأزمات العراقية الكبرى لا تُحل بالتصعيد، بل بالحكمة والخبرة والجلوس إلى مائدة التفاهم.
ليست كل العبارات المأثورة مجرد زينة لغوية، فبعضها يظل حيًا لأنه يتجاوز زمنه، ويصلح لتفسير لحظات سياسية معقدة في كل عصر. ومن هذا القبيل قول الإمام علي بن أبي طالب “سلوني قبل أن تفقدوني”. فالمعنى هنا لا يقتصر على العلم، بل يمتد إلى قيمة التجربة، وإلى ضرورة الرجوع إلى أهل الحكمة قبل أن تتفاقم الأزمات، وإلى الاستفادة من أصحاب البصيرة قبل أن يصبح ثمن التأخير أثقل من قدرة الجميع على الاحتمال.
وفي عراق اليوم، تبدو هذه العبارة أقرب ما تكون إلى توصيف الحاجة الوطنية إلى الاستفادة من وجود الرئيس مسعود بارزاني، بما يمثله من خبرة طويلة، وهدوء في إدارة الأزمات، وقدرة على التدخل في الوقت المناسب عندما تصل الأمور إلى حافة الانسداد. فما جرى خلال الأيام القليلة الماضية بين بغداد وأربيل لم يكن مجرد خلاف فني حول النفط، بل كان تعبيرًا عن أزمة أعمق تمس الثقة السياسية، والشراكة الدستورية، والحقوق المالية، وآليات إدارة الدولة نفسها.
فقد تصاعد السجال العلني بعدما قالت بغداد إن إقليم كوردستان لا يتجاوب مع طلب استئناف ضخ النفط عبر المسار الشمالي، في وقت تسعى فيه الحكومة الاتحادية إلى تأمين منافذ تصدير أكثر استقرارًا. وفي المقابل، ردت وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم بأن بغداد لا تعرض الحقيقة كاملة، مشیرة الی ممارسة ضغوط اقتصادية ومالية على كوردستان، منها تقييد وصول الدولار إلى التجار ورجال الأعمال بالسعر الرسمي، فضلًا عن الخلاف بشأن تطبيق نظام (اسیکودا) الخاص ببيانات الجمارك، والذي تم فرضه بطريقة لا تراعي التفاهمات والخصوصية الإدارية للإقليم. كما أعادت الوزارة التذكير بملف الرواتب غير المسددة، وخاصة راتبي نوفمبر وديسمبر 2025، بوصف ذلك واحدًا من أبرز مظاهر الخلل في العلاقة المالية بين الجانبين.
جرى هذا كله في لحظة دقيقة جدًا، لأن بغداد نفسها كانت تتحدث عن حاجة العراق إلى إيجاد مسارات بديلة أو إضافية للتصدير في ظل التوترات الإقليمية والضغوط التي تواجه حركة النفط. وقد أكدت تصريحات رسمية وتقارير دولية أن ملف التصدير عبر میناء جیهان الترکي لم يعد مجرد شأن بين أربيل وبغداد، بل أصبح جزءًا من حسابات الأمن الاقتصادي الوطني العراقي، في بلد يعتمد بشكل أساسي على عائدات النفط لتمويل الموازنة والرواتب والإنفاق العام.
وفي خضم هذا التوتر استمر التصعید الإعلامي الذي اوصل الامور الی التلویح بالإتجاە الی المحکمة الاتحادیة العلیا و ما یرافق ذلک من ذکریات حول قراراتها التي رسخت المرکزیة و تفریغ الفدرالیة من محتواها. کذلک ظهور إشارات بنیة العمل علی إنهاء انبوب لنقل النفط دون المرور بإقلیم کوردستان.
في ظل هذە الأجواء، جاء موقف الرئيس مسعود بارزاني یوم الإثنین، ١٦ مارس، ليعيد توجيه البوصلة نحو المعنى الصحيح: الحوار قبل القطيعة، والتفاهم قبل التراشق، والحل قبل تراكم الخسائر. فقد دعا بوضوح بغداد وأربيل إلى الجلوس معًا وحل المشكلات بالحوار، في لحظة كان فيها الخطاب العام يتجه أكثر نحو تحميل المسؤوليات وتبادل الاتهامات.
لا تكمن أهمية هذا النداء فقط في مضمونه، بل في صدوره عن شخصية تمتلك رصيدًا تاريخيًا وتجربة طويلة في فهم طبيعة العلاقة الشائكة بين المركز والإقليم، وتعرف جيدًا متى يجب أن يُقال الكلام الذي يفتح الباب بدل أن يغلقه.
وهنا تكتسب عبارة “سلوني قبل أن تفقدوني” معناها السياسي الرمزي. فالدول، في لحظات التعقيد، تحتاج إلى رجال لا يكتفون بوصف الأزمة، بل يعرفون كيف يختصرون الطريق إلى الحل. ومسعود بارزاني، بحكم تجربته الطويلة، أثبت مرة بعد أخرى أنه من هذا النوع من القادة: صلب في الدفاع عن الحقوق، لكنه يدرك أن حماية الحقوق لا تكون دائمًا بالصدام، بل كثيرًا ما تكون بالحكمة، وبحسن اختيار التوقيت، وبإعادة الجميع إلى طاولة التفاهم.
ولعل الدلالة الأهم أن دعوة الرئیس بارزاني لم تبقَ مجرد موقف أخلاقي أو سياسي عابر، بل تبعتها مؤشرات انفراج واتجاه عملي نحو التفاهم، و التوصل یوم الثلاثاء علی بدء الخطوات اللازمة لإستئناف تصدیر النفط عبر أنبوب اقلیم کوردستان، وهو ما يعزز حقيقة يعرفها العراقيون جيدًا: أن كثيرًا من الأزمات لا تكون مستحيلة الحل، لكنها تحتاج فقط إلى من قائد حکیم يملك الشجاعة والحكمة معًا ليدفع الجميع خطوة إلى الأمام.