قراءة تحليليلة لوثيقة دبلوماسية حول طرح القضية الكوردية في الأمم المتحدة عام 1963

أ.د خليل مصطفى عثمان

تكشف الوثيقة الصادرة عن وزارة الشؤون الخارجية الأسترالية بتاريخ 3 تموز 1963، والموسومة بعنوان Inward Savingram، عن جانب مهم من الجهود الدبلوماسية الدولية التي حاولت طرح القضية الكوردية في العراق أمام المجتمع الدولي في ستينيات القرن العشرين. وتكتسب هذه الوثيقة أهمية خاصة لأنها تعكس كيفية تداول مسألة الكورد داخل أروقة الأمم المتحدة في مرحلة مبكرة من الصراع الكوردي-العراقي.

تشير الوثيقة إلى أن حكومة منغوليا تقدمت في 2 تموز 1963 بطلب إدراج بند عاجل على جدول الأعمال المؤقت للدورة المقبلة للجمعية العامة لـ الأمم المتحدة، يتناول ما وصفته بـ سياسة الإبادة الجماعية التي تمارسها حكومة جمهورية العراق ضد الشعب الكوردي.
ويكشف هذا الطلب عن محاولة واضحة لنقل النزاع الكوردي-العراقي من نطاقه الداخلي إلى ساحة النقاش الدولي، وهو ما يعكس إدراك بعض الدول لأبعاد الصراع الإنساني والسياسي الذي كان يتصاعد في كوردستان العراق منذ اندلاع الثورة الكوردية عام 1961.

وتوضح المذكرة التفسيرية المرافقة أن المطالب الكوردية لم تكن، وفق ما ورد في الوثيقة، مطالب انفصالية في ذلك الوقت، بل تمثلت في الحصول على حكم ذاتي قومي ضمن إطار الدولة العراقية. كما تشير الوثيقة إلى ما وصفته بسياسة القمع الدموي التي تمارسها الحكومة العراقية ضد السكان الكورد، وهي سياسة اعتبرت أنها تهدد الوجود القومي للشعب الكوردي.

ومن اللافت في النص المرفق بالوثيقة أن مشروع القرار المقترح أمام الجمعية العامة يتبنى لغة قوية نسبيًا في توصيف الأحداث، إذ يشير إلى أن الإجراءات التي اتخذتها السلطات العراقية ضد السكان الكورد يمكن اعتبارها إبادة جماعية. كما يستند المشروع إلى قرار سابق للجمعية العامة الصادر في 11 كانون الأول 1946 الذي أكد أن جريمة الإبادة الجماعية تعد من الجرائم التي يدينها العالم المتحضر، وهو ما يعكس محاولة قانونية لإدراج القضية الكوردية ضمن إطار القانون الدولي الإنساني.

كما يدعو مشروع القرار الحكومة العراقية إلى وقف العمليات العسكرية ضد السكان الكورد واستئناف المفاوضات مع ممثليهم للوصول إلى تسوية سياسية تلبي مطالبهم القومية. وهذا يعكس إدراكًا دوليًا مبكرًا بأن الصراع في كوردستان العراق لا يمكن حسمه عسكريًا، وأن الحل السياسي التفاوضي يمثل الطريق الأكثر واقعية لإنهائه.

ومن الناحية التاريخية، تأتي هذه الوثيقة في سياق الحرب الكوردية-العراقية الأولى التي اندلعت عام 1961 بقيادة الزعيم الكوردي مصطفى البارزاني ضد الحكومة العراقية، والتي كانت آنذاك تمر بمرحلة اضطراب سياسي بعد سقوط نظام عبد الكريم قاسم في انقلاب شباط 1963. وقد أدى استمرار العمليات العسكرية في المناطق الكوردية إلى إثارة اهتمام بعض الدول في الأمم المتحدة، الأمر الذي انعكس في هذه المبادرة الدبلوماسية.

غير أن أهمية الوثيقة لا تكمن فقط في مضمونها السياسي، بل أيضًا في دلالاتها الدبلوماسية. فهي توضح أن القضية الكوردية كانت قد بدأت بالفعل في الستينيات تتحول من نزاع داخلي إلى موضوع للنقاش الدولي، حتى وإن لم تصل تلك الجهود إلى حد إصدار قرار فعلي من الجمعية العامة في ذلك الوقت. كما تكشف عن وجود خطاب مبكر داخل بعض الأوساط الدولية يربط بين ما يجري في كوردستان العراق وبين مفهوم الإبادة الجماعية في القانون الدولي.

وبذلك تمثل هذه الوثيقة شاهدًا مهمًا على إحدى المحطات المبكرة في تاريخ تدويل القضية الكوردية، كما توفر مادة أرشيفية مهمة لفهم كيفية إدراك المجتمع الدولي للصراع الكوردي-العراقي في تلك المرحلة من تاريخ الشرق الأوسط.

قد يعجبك ايضا