من رماد حلبجة إلى استحقاق الدولة: جرح الكورد الذي لم يندمل

د.ازاد صالح نادراغا رواندوزي
استاذ بجامعة نولج – اقليم كوردستان – العراق

تحلّ ذكرى فاجعة حلبجة لتعيد إلى الأذهان أبشع فصول الدكتاتورية في التاريخ الحديث، حيث تحولت سماء المدينة في لحظة غدر إلى سحابة من سموم الكيماوي، حاصدةً أرواح الآلاف من الأبرياء. إن ما قام به النظام البعثي البائد لم يكن مجرد جريمة حرب، بل كان محاولة منهجية لاستئصال الهوية الكوردية وكسر إرادة شعب يطالب بحقه المشروع في الوجود.
دكتاتورية الأمس.. وتحولات القمع اليوم
بينما طوى التاريخ صفحة الدكتاتورية الصريحة التي استخدمت “الخردل” و”السارين”، إلا أن الكورد اليوم يواجهون أنظمة تمارس “دكتاتورية ناعمة” أو التفافاً سياسياً وقانونياً يستهدف حرمانهم من أبسط استحقاقاتهم القومية. إن آلة القمع اليوم لم تعد تسقط السموم من الطائرات فحسب، بل تتجسد في:
• الحصار الاقتصادي: استخدام لقمة العيش والموازنات العامة كأداة ضغط سياسي لتجويع الإقليم وإضعاف كيانه الدستوري.
• الالتفاف القانوني: محاولة تجريد الكورد من مكتسباتهم الفيدرالية من خلال تفسيرات قانونية موجهة تخدم المركزية المقيتة.
• التغيير الديموغرافي المستتر: استمرار السياسات التي تهدف إلى إضعاف الوجود الكوردي في المناطق المستقطعة.
الدولة المستقلة: الحق الذي يؤجله “التوافق الدولي”
تظل مأساة حلبجة الشاهد الأكبر على حاجة الكورد إلى دولتهم المستقلة؛ تلك الدولة التي لا تمثل مجرد “حلم قومي”، بل هي “ضرورة أمنية” لمنع تكرار الإبادات الجماعية. ففي عالم لا يعترف إلا بالكيانات السياسية المعترف بها، يظل الكورد -وهم أمة عريقة- محرومين من هذا الاستحقاق نتيجة توازنات دولية وصراعات إقليمية تفضل “الاستقرار الهش” على “العدالة التاريخية”.
القيادة والوعي : إن الوفاء لشهداء حلبجة لا يكون بالبكاء على الأطلال، بل بالتمسك بـ”النهج الذي لا يستسلم”، وتعزيز كفاءة الإدارة والوحدة الداخلية لمواجهة التحديات الراهنة. على المجتمع الدولي أن يدرك أن حرمان الكورد من حقهم في تقرير المصير هو استمرار للجريمة التي بدأت في عام 1988، وأن استقرار المنطقة لن يتحقق إلا بإنصاف الشعب الكوردي وضمان حقوقه السياسية والسيادية كاملة.

قد يعجبك ايضا