الجزء الثالث
بغداد – التآخي
ماذا خسرنا – وما زلنا نخسر – بسبب التأخّر؟
كل عام يمرّ من دون استراتيجية فعلية للذكاءالاصطناعي يعني –تفاقم الفجوة بين العراق ودولالمنطقة التي تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى جزء مناقتصادها وصناعتها وخدماتها.
–استمرار اعتماد الاقتصاد على النفط بوصفه المصدرالأول، بدل بناء اقتصاد معرفي يستثمر في العقولوالبيانات.
–ضياع فرص استثمارية في قطاع التكنولوجيا كانيمكن أن تستوعب آلاف الخريجين.
–ترسيخ صورة العراق كـ“مستهلك” للتقنية، يشتريالمنتج النهائي ولا يشارك في صناعته، ما يجعله أكثرهشاشة أمام التحوّلات المستقبلية.
الخسارة ليست رقمًا في موازنة فقط؛ هي خسارة زمن،وخسارة ثقة، وخسارة أجيال تخرج من الجامعةبمناهج لا تشبه سوق العمل الذي سيواجهون.
كليّة الذكاء الاصطناعي: خطوة ضرورية لكنهاغير كافية
استحداث كليّات وأقسام للذكاء الاصطناعي فيالجامعات العراقية خطوة مهمّة، ورسالة بأنّ البلد لايريد أن يبقى خارج الزمن. لكنّ السؤال الحاسم: ماذابعد لوحة “كلية الذكاء الاصطناعي” على واجهةالمبنى؟
من دون–مناهج حديثة فعلًا، لا مجرّد تغيير أسماءالمواد.
–تعاون مباشر مع مؤسّسات الدولة والقطاع الخاصلتمويل مشاريع تطبيقية وتحويل نتائجها إلى خدمات.
–بنية تحتية رقمية تتيح للطلبة التعامل مع بياناتحقيقية وحواسيب قادرة على تشغيل نماذج متقدّمة.
–أساتذة مدرّبين على أحدث ما في هذا المجال،وشراكات مع جامعات ومراكز عالمية…
سيبقى الخطر قائمًا بأن تتحوّل هذه الكلّيات إلى“يافطات” تُسَوَّق إعلاميًا أكثر ممّا تنتج كفاءات قادرةعلى قيادة التحوّل.
الذكاء الاصطناعي كقوّة دولية جديدة
يشير السلطاني إلى قلب المعادلة الإستراتيجية فيقول: “نستخلص أنّه في الوقت الراهن أنّ أغلبالتخصّصات والمهن بمستوياتها التقليدية والبسيطةوذات الحاجة والاستخدام العام ستتأثّر سلبًا وتندثروتصبح من الماضي نتيجة الذكاء الاصطناعي، وأنّالدول التي تمتلك مستويات عالية وتكنولوجيا متقدّمةفي الذكاء الاصطناعي ستمتلك مقدّرات القوّةالحقيقية، على عكس ما هو الآن حيث إنّ قوّة الدولةترتبط بقوّة الاقتصاد والقوّة العسكرية.
وعودًا على سؤالكم: هل نستطيع أن نتنبّأ إلى أيّمستوى سيصل الذكاء الاصطناعي، وما هي طبيعةالحياة في أوج هذا العصر؟ بتصوّري لا يمكن لنا أننتنبّأ إلى أين سيصل بنا الذكاء الاصطناعي، فقديصل، بل وسيصل، إلى مستويات لا يمكن للعقلالبشري في الوقت الراهن أن يتخيّلها أو يستوعبها“.
هذه الفقرة وحدها تكفي لتغيير طريقة النظر إلى الملفّفي العراق: الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية تقنية، بل“سلاح إستراتيجي” يحدّد مكانك في العالم، إما فيصفّ الدول القادرة على إنتاجه وتوجيهه، أو في صفّالدول التي تخضع لنتائجه من دون أن تملك أدواتالتأثير فيه.
بين فرصة تاريخية ونافذة تضيق بسرعة
العراق، كما يراه السلطاني، ما زال في “المرحلةالصفرية” من ثورة الذكاء الاصطناعي، لكنّ النافذة لمتُغلق بعد. وجود جيل شابّ واسع، واستحداث كليّاتمتخصّصة، وحديث حكومي متزايد عن التحوّلالرقمي، كلّها عوامل يمكن أن تتحوّل إلى نقطة انطلاقإذا رافقها قرار واضح:
–تحويل الذكاء الاصطناعي من خطاب إلى سياسةتنفيذية بجدول زمني ملزم.
–ربط الجامعات بسوق العمل، وتمويل البحثالتطبيقي، لا الاكتفاء بورش وشعارات.
–بناء بنية تحتية رقمية تحترم المواطن وتحمي بياناته،وتُتاح فيها الأدوات للعقول العراقية كي تبتكر، لالتستهلك فقط.
بين عراق يوظّف الذكاء الاصطناعي لبناء دولة أكثركفاءة وعدالة، وعراق يتلقّى صدمات الثورة القادمة مندون استعداد، الفارق ليس في “قدرة الآلة“، بل فيإرادة الإنسان الذي يقرّر كيف ومتى يدخل هذا العصر