هل يدخل باب المندب في المعركة؟

ياسين الحديدي

يشكل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر خليج عدن، ويعبره سنوياً أكثر من 23% من التجارة العالمية، بما في ذلك حوالي 6 إلى7 ملايين برميل من النفط يومياً. في ظل التصعيد العسكري الأخير بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، والذي بلغ ذروته باغتيال المرشد الأعلى الإيراني وقصف مواقع إيرانية في 28 فبراير 2026، برز تهديد إيران بإغلاق المضيق كأداة ضغط استراتيجية.

تنفيذ إيران تهديدها بإغلاق مضيق باب المندب لا يعني بالضرورة فرض حصار بحري مباشر، بل قد يتخذ أشكالاً متعددة:
أ. التهديد عبر الحوثيين: تعتمد إيران بشكل أساسي على وكلائها في المنطقة، لا سيما حركة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، لتنفيذ عمليات استهداف للسفن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وقد أعلن الحوثيون استعدادهم لاستئناف العمليات ضد السفن المرتبطة بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية؛
ب. التصعيد المتدرج: يتوقع البعض أن يبدأ الإغلاق بعمليات محدودة تستهدف سفناً محددة، ثم يتصاعد ليصل إلى تعريض الملاحة الدولية للخطر بشكل منهجي، مما يدفع شركات الشحن لتجنب المضيق طواعية خوفاً على سلامة سفنها وطواقمها؛
ج. التنسيق مع العمليات في هرمز: تشير التقارير إلى أن إيران نفذت بالفعل إجراءات “تعليق الملاحة التجارية” في مضيق هرمز في 28 فبراير 2026 عبر بث تحذيرات ملاحية للسفن، مما خلق حالة من عدم اليقين التشغيلي. ويمكن تكرار السيناريو نفسه في باب المندب.
وغلق الممرين له تأثيرات فورية على أسواق الطاقة: حيث سيؤدي إغلاق باب المندب إلى منع وصول ناقلات النفط من الخليج العربي إلى قناة السويس، مما يعني عملياً عزل أسواق أوروبا وأميركا الشمالية عن إمدادات النفط الخليجية. تشير التقديرات إلى أن أسعار النفط قد تقفز الي نسب عاليه تتجاوز نسبة 60%
بالاضافه الي اضطراب إمدادات الغاز الطبيعي المسال: فقطر، التي تصدر معظم إنتاجها من الغاز المسال عبر هذا المضيق، ستجد صعوبة بالغة في الوصول إلى الأسواق الأوروبية وان تعطيل سلاسل التوريد العلميه واغلاق باب
المندب يعني عملياً إغلاق الطريق البحري الأسرع بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. البديل الوحيد هو الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، مما يضيف 10 إلى 14 يوماً لرحلات الشحن، ويزيد تكاليف الوقود وأقساط التأمين بشكل كبير ويزيد من تكاليف
التأمين والشحن وله اثار على دول القرن الإفريقي: الدول، مثل جيبوتي وإريتريا والصومال، تعتمد بشكل كبير على عائدات الموانئ والخدمات اللوجستية المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر.
ومن المتوقع أن ينتج عن تنفيذ إغلاق باب المندب جملة من السيناريوهات الأمنية والسياسية، أهمها
التدويل العسكري للبحر الأحمر وذلك بتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة على غرار التحالف الذي شُكل في 2019 لحماية الملاحة في الخليج العربي،وإتساع رقعةالصراع إلى القرن الإفريقي.
وستكون دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة السعودية والإمارات، الأكثر تضرراً من إغلاق باب المندب، نظراً لاعتماد صادراتها النفطية على هذا الممر. والموقف الخليجي الرسمي تجلّى في تقديم البحرين لمشروع القرار الذي أدان بشدة التهديدات الإيرانية.

الخلاصة: هل الإغلاق ورقة رابحة أم انتحار استراتيجي؟
من منظور القانون الدولي، يمثل إغلاق باب المندب انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي ويشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، مما يبرر الرد العسكري الدولي لحماية حرية الملاحة. القرار 2817 وفّر الغطاء القانوني لمثل هذا الرد. ومن الناحية العملية، إغلاق المضيق سلاح ذو حدين: فهو يوجه ضربة قاسية للاقتصاد العالمي، لكنه في الوقت نفسه يضرب مصالح الحلفاء المفترضين لإيران، مثل الصين والهند، ويعزز العزلة الدولية ضدها.

قد يعجبك ايضا