المؤتمر الوطني الكردي الجامع: من تشظّي الأحزاب إلى إعادة بناء الحركة الوطنية الكردية

حوران حم

لم يعد المشهد الكردي في سوريا مجرد ساحة اختلافات سياسية بين أحزاب متعددة، بل تحوّل إلى حالة من التيه الجماعي، حيث تراجعت القضية الكبرى إلى خلفية المشهد، وتقدّمت المشاريع الجزئية، والاصطفافات الضيقة، لتحتل مكانها. وفي لحظة تاريخية مفصلية، أعقبت سقوط النظام الذي شكّل لعقود إطار الصراع، بدا واضحًا أن الحركة الكردية لم تكن مستعدة لملء الفراغ، لا برؤية موحدة، ولا باستراتيجية واضحة، ولا حتى بخطاب جامع.
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في الانقسام، بل في طبيعة هذا الانقسام. فالمشكلة لم تعد خلافًا في الوسائل، بل انحرافًا في تعريف المشروع نفسه. لقد تحوّلت بعض القوى من كونها جزءًا من حركة وطنية كردية تسعى لانتزاع حقوق شعب، إلى مشاريع سلطة أمر واقع، تدير مناطق، وتبني هياكل، لكنها تفتقر إلى الشرعية الوطنية الجامعة. وهنا يكمن الخلل البنيوي: حين يتحول “الجزء” إلى بديل عن “الكل”، وحين تُختزل القضية في إدارة يومية، بدل أن تكون مشروع تحرر سياسي طويل النفس.
إن ما نحتاجه اليوم ليس مجرد إعادة ترتيب العلاقات بين الأحزاب، بل إعادة تعريف المشروع الكردي ذاته. وهذا يتطلب الانتقال من “مشروع حزبي سلطوي” إلى “حركة وطنية كردية جامعة”. أي من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة، ومن عقلية الاحتكار إلى ثقافة التعدد، ومن إدارة الأزمة إلى بناء الحل.
المؤتمر الوطني الكردي الجامع، في هذا السياق، لا يجب أن يكون مجرد منصة للقاء، بل نقطة تحوّل تاريخية، يتم فيها تفكيك البنى القديمة، وإعادة تركيبها على أسس جديدة. مؤتمر يعيد الاعتبار لفكرة أن الكرد ليسوا مجرد قوى متنافسة، بل شعب له قضية واحدة، وإن تعددت أدوات التعبير عنها.
إن التحول من المشاريع الضيقة إلى الحركة الوطنية يتطلب أولًا الاعتراف بأن المرحلة السابقة، بكل ما فيها من إنجازات، كانت أيضًا مليئة بالأخطاء. لا يمكن بناء مستقبل دون مراجعة صادقة للماضي. يجب أن يُطرح السؤال بجرأة: لماذا فشلت القوى الكردية في إنتاج موقف موحد في لحظة تاريخية حاسمة؟ ولماذا بقيت رهينة التوازنات الخارجية بدل أن تصنع توازنها الداخلي؟
ثانيًا، يتطلب هذا التحول صياغة استراتيجية جديدة، قائمة على عدة مرتكزات:
أولها: وحدة القرار السياسي، عبر إنشاء مرجعية وطنية تمثيلية حقيقية، لا تُقصي أحدًا، ولا تحتكر القرار، بل تعبّر عن الإرادة الجماعية.
ثانيها: استقلالية القرار الكردي، بحيث لا يكون تابعًا لأي محور إقليمي، بل منفتحًا على الجميع، دون ارتهان لأحد.
ثالثها: الربط بين القضية الكردية والحل الوطني السوري، فالكرد ليسوا خارج سوريا، بل جزء أصيل من نسيجها، وأي حل مستدام يجب أن يضمن حقوقهم ضمن إطار وطني ديمقراطي.
رابعها: إعادة بناء الثقة مع المجتمع الكردي، الذي أصبح يشعر بالخذلان من صراعات النخب. فبدون حاضنة شعبية حقيقية، تفقد أي حركة مشروعيتها.
خامسها: تحويل القوى العسكرية إلى أدوات وطنية منضبطة سياسيًا، لا أدوات نفوذ حزبي، لأن السلاح يجب أن يكون في خدمة المشروع، لا بديلاً عنه.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه القضية الكردية اليوم ليس العداء الخارجي، بل التآكل الداخلي. فحين يفقد المشروع بوصلته، يصبح عرضة لكل الرياح، وحين تغيب الرؤية، تتحول الإنجازات إلى أعباء.
من هنا، فإن المؤتمر الوطني الكردي الجامع يجب أن يكون لحظة استعادة للوعي قبل أن يكون استعادة للوحدة. لحظة يُعاد فيها تعريف الذات، وتُرسم فيها ملامح المستقبل. ليس كمجرد رد فعل على مرحلة انتهت، بل كبداية لمرحلة جديدة، يكون فيها الكرد فاعلين، لا مجرد متأثرين.
لقد آن الأوان للانتقال من زمن المشاريع الصغيرة إلى زمن المشروع الكبير… من تعدد الرايات إلى وحدة الهدف… من صراع النفوذ إلى شراكة المصير.
وحدها الحركة الوطنية الكردية الجامعة قادرة على تحويل التضحيات إلى مكاسب، والتاريخ إلى مستقبل.
وما لم يُعقد هذا المؤتمر، وما لم يُنجز هذا التحول، فإن كل حديث عن الحقوق سيبقى معلقًا في فراغ السياسة… حيث تضيع القضايا حين تغيب الإرادة.

قد يعجبك ايضا