ترامب وحلف الناتو أثناء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

د.نزار الربيعي

شهد النظام الدولي خلال العقد الأخير تحولات استراتيجية عميقة، كان من أبرز مظاهرها تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، خاصة في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد تداخلت في هذا الصراع أبعاد سياسية وعسكرية واقتصادية، إضافة إلى دور محوري لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي وجد نفسه أمام اختبار حقيقي لطبيعة تماسكه ووحدة مواقفه.

يمكن فهم سياسات ترامب تجاه إيران ضمن إطار النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، التي ترى أن الدول تسعى إلى تعظيم قوتها وضمان أمنها القومي. فقد تبنت إدارة ترامب سياسة الضغط الأقصى كأداة لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط وتقويض النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة.

اتسمت سياسة ترامب بعدة سمات رئيسية، من بينها الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، وفرض العقوبات الاقتصادية القاسية، إضافة إلى تعزيز الردع العسكري غير المباشر في منطقة الخليج. وقد مثلت هذه الإجراءات تحولًا واضحًا من استراتيجية الاحتواء إلى استراتيجية التصعيد.

في المقابل، لعبت إسرائيل دورًا محوريًا في توجيه السياسة الأمريكية نحو مزيد من التشدد، حيث اعتبرت إيران تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا. وقد تجلى هذا الدور من خلال التنسيق العسكري والاستخباراتي والضغط السياسي داخل الولايات المتحدة.

أما حلف الناتو، فقد واجه انقسامًا داخليًا واضحًا بين الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا، التي سعت إلى الحفاظ على الاتفاق النووي وتجنب التصعيد العسكري. ويعكس هذا الانقسام اختلاف المصالح الاستراتيجية بين أطراف الحلف.

كما أن الناتو، بوصفه تحالفًا دفاعيًا، لم يكن مهيأً للتدخل المباشر في صراع خارج نطاق أعضائه، مما جعله يكتفي بالدعم السياسي واللوجستي دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.

اتسمت علاقة ترامب بالناتو بالتوتر، حيث انتقد الحلف مرارًا، وطالب بزيادة الإنفاق الدفاعي، وربط الالتزام الأمريكي بمستوى مساهمة الدول الأعضاء، مما أدى إلى إضعاف الثقة داخل الحلف.

لم تأخذ المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران طابع الحرب التقليدية، بل اتسمت بالحرب الهجينة التي تشمل العقوبات الاقتصادية والهجمات السيبرانية والعمليات غير المباشرة، وهو ما قلل من الحاجة إلى تدخل الناتو عسكريًا.

أدى هذا الصراع إلى إعادة تشكيل التحالفات الدولية، وتعزيز أدوار قوى مثل روسيا والصين، إضافة إلى زيادة التوتر في منطقة الخليج العربي، وتراجع الثقة في المؤسسات الدولية.

يمكن توجيه نقد لسياسات ترامب من حيث اعتمادها على التصعيد دون وجود استراتيجية طويلة المدى، إضافة إلى ضعف التنسيق مع الحلفاء، في حين يعكس موقف الناتو أزمة بنيوية تتعلق بدوره المستقبلي.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن هذه الأزمة كشفت عن تحولات عميقة في طبيعة العلاقات الدولية، حيث أصبحت المصالح الوطنية تتقدم على الالتزامات الجماعية، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل التحالفات الدولية.

قد يعجبك ايضا