ممالك الحرمان

سرحان محمد علي الكاكئي

أصحو..

والفجرُ يمدُّ أصابعهُ الباردةَ فوقَ سريري
أفتشُ في جيوبِ الوقتِ عن ضحكةٍ قديمة
عن وجهٍ كان يملأُ البيتَ ضجيجاً ونوراً
فلا أجدُ إلا هذا الصمتَ الثقيل
هذا الطنينُ الذي يسكنُ أذني..

ليس صوتاً غريباً
إنهُ صدى الكلماتِ التي لم نَقُلها
عتابُ الرفوفِ التي هجرَتها الكتب
وخوفُ الكراسي من قسوةِ الفراغ.

الحرمانُ يا صديقي..
ليس أن تجوعَ لخبزٍ أو ماء
بل أن تجوعَ ليدٍ تمسحُ عن قلبكَ الغبار
أن تنظرَ في المرآةِ.. فلا تعرفُ من يحدقُ فيك
أن تمشي في الزحامِ كأنك خيالٌ عابر
لا ظلّ يتبعك.. ولا أثرَ يدلُّ عليك.

كلما حاولتُ أن أقبضَ على ملامحِهم
تسللوا من بينِ أصابعي كالدخان
تركوا لي هذا الخواءَ الموحش
وساعاتٍ من الانتظارِ المُرّ
أعدُّ فيها نبضاتِ قلبي..
وأتساءل:
هل نحنُ الذينَ نتركُ الأشياء؟
أم أنَّ الحرمانَ وحشٌ يقتاتُ على أحلامِنا؟

في غرفتي..
أسمعُ عويلَ الريحِ خلفَ النافذة
تلكَ الريحُ التي لا وطنَ لها
تشبهني تماماً..
تطرقُ الأبوابَ.. ولا تدخل
تصرخُ في الفضاءِ.. ولا يسمعُها أحد.

أنا الآنَ..
سجينٌ في زنزانةٍ بلا جدران
سقفُها الذكرياتُ.. وأرضُها الحنين
كلما أغمضتُ عيني لأهرب
وجدتُ الحرمانَ واقفاً خلفَ جفوني
يقول لي ببرود:
“أنا قدركَ الذي لا ينام”.

قد يعجبك ايضا