فينوس بابان
حين تشتد أعاصير الجيوسياسية في منطقة تعيد تشكيل خرائط نفوذها بالحديد والنار يبرز نداء الرئيس مسعود بارزاني كفعل إطفاء استراتيجي يتجاوز حدود المناورة السياسية ليلامس جوهر البقاء الوطني في لحظة حرجة من تاريخ العراق الحديث. إن دعوة الرئيس بارزاني الصريحة لحكومتي بغداد وأربيل بالجلوس إلى طاولة المفاوضات ليست مجرد بروتوكول ديبلوماسي أو مناشدة عابرة بل هي تشخيص جراحي دقيق يحتاجه الجسد العراقي المنهك الذي يترنح اليوم بين مطرقة تراجع الإنتاج النفطي وسندان الارتهان للتجاذبات الإقليمية العنيفة.
إن هذا النداء ينبع من إيمان راسخ بضرورة الحوار كخيار وجودي تماماً كما لخصها الرئيس بارزاني في رؤيته للعيش المشترك حين قال “إننا محكومون بالعيش معاً في هذا الوطن لذا فإما أن نعيش معاً كشركاء وأخوة بكرامة أو نضيع جميعاً في دوامة الصراعات التي لا تنتهي”.
وانطلاقاً من هذه الشراكة الحتمية تبرز الأرقام التي لا تقبل المواربة تسبب تعطيل مسارات التفاهم النفطي وخنق قنوات التصدير عبر الأنابيب بخسارة الموازنة العامة لأكثر من 12 مليار دولار سنوياً وهي فاتورة باهظة تُقتطع مباشرة من مستحقات التنمية والإعمار وتنعكس بمرارة على القوة الشرائية للدينار التي أثقلت كاهل المواطن في أحيائنا الشعبية من البصرة والناصرية وصولاً إلى أربيل ودهوك.
إن الرئيس بارزاني في تحذيره الصارم من تحركات مقامري الأزمات يضع إصبعه على العلة البنيوية التي تعيق بناء الدولة أولئك الذين يقتاتون سياسياً ومالياً على إبقاء النيران مشتعلة بين المركز والإقليم متناسين في غمرة اندفاعهم أن أي شرارة تصيب استقرار أربيل سيمتد لهيبها حتماً ليحرق السلم الأهلي في بغداد وبقية المحافظات نظراً للترابط العضوي بين مفاصل الاقتصاد الوطني.
إن ما يقصده الرئيس بارزاني بـ طاولة المفاوضات هو وجوب الانتقال الفوري من عقلية إدارة الأزمات بالمسكنات والوعود الهشة إلى مرحلة مأسسة الحل عبر اتفاق قانوني شامل ينهي الجدل حول قانون النفط والغاز الاتحادي ويُنهي حقبة استخدام رغيف الخبز ورقة للابتزاز أو الضغط السياسي. فالواقع يثبت أن النفط يمول أكثر من 90% من موازنة الدولة ما يجعل أي تأخير في استئناف التصدير أو تنظيم الإيرادات تهديداً وجودياً لرواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين الذين يشكلون العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي.
هذا التحليل يقودنا إلى حقيقة أن نداء الرئيس بارزاني يمثل ميثاق نجاة عابراً للهويات فهو يدرك بحنكة القائد المجرب أن أمن المواطن الكوردي في جباله وأخيه العربي السني والشيعي في مدنه وهوره والتركماني بقلعته التاريخية والمسيحي والإيزيدي والكاكائي والشبكي بصمودهم وتجذرهم كلهم شركاء في سفينة واحدة يهددها الغرق إذا ما استمرت سياسات التفتيت ومبدأ ليّ الأذرع إن مقامري الأزمات يراهنون على إضعاف المكونات لتشتيت القرار الوطني بينما يراهن الرئيس بارزاني في مبادرته على استنهاض الكتلة الوطنية الحكيمة التي ترى في قوة إقليم كوردستان الدستورية ركيزةً استراتيجية لقوة الدولة العراقية أمام المطامع الخارجية.
إن هذا النداء يفكك أيضاً شفرة الصراع الإقليمي المحتدم محذراً من أن بقاء العراق في حالة هشاشة داخلية سيجعله الساحة المفضلة لتصفية الحسابات الدولية ومن هنا تبرز أهمية الاتفاق الشامل كـ درع سيادي يحمي الأرض والإنسان. إن ماء الحكمة الذي صبه الرئيس بارزاني اليوم هو الفرصة التاريخية الأخيرة أمام النخب السياسية في بغداد لتثبت انحيازها لمنطق الدولة القوي العادل لا لمنطق المحاور المتصارعة.
لذا فإن الرسالة اليوم تتجاوز المكاتب الرئاسية لتستقر في وجدان كل فرد عراقي مؤكدة أن لقمة عيش المواطن وكرامته هي الخطوط الحمراء التي يجب أن تخرس أمامها أصوات التحريض ليبقى العراق عصياً على الانكسار ومحميًا بعقلية البناء التي ينشدها الرئيس بارزاني عقلية ترى في الحوار الصادق والالتزام بالعهود الممر الآمن الوحيد لاسترداد السيادة وتحقيق الازدهار الذي طال انتظاره لجميع أبناء الرافدين بمختلف أطيافهم ومذاهبهم وقومياتهم.