عواد علي
شهدت الحروب في القرن الحادي والعشرين تحوّلاً عميقاً في أدواتها وأساليبها، فلم تعد المعارك تُحسم فقط بالقوة العسكرية التقليدية، بل أصبحت الحرب النفسية والإعلامية ساحةً موازية لا تقل أهميةً عن ميدان القتال. وفي هذا السياق برز حديثاً الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً فعّالةً في تشكيل الوعي الجماعي، والتأثير في الرأي العام، وإضعاف معنويات الخصم. فقد أتاحت تقنيات الذكاء الاصطناعي إمكانات غير مسبوقة لتوجيه الرسائل الدعائية، وصناعة الأخبار المضللة، وتحليل المزاج الاجتماعي بدقة عالية.
مع تطور الخوارزميات والبيانات الضخمة أصبح بالإمكان توظيف الذكاء الاصطناعي لتحليل اتجاهات الجمهور وتحديد نقاط ضعفه النفسية والثقافية، إذ تقوم هذه التقنيات بتحليل ملايين المنشورات والتعليقات على الإنترنت خلال وقت قصير، مما يسمح للجهات المتحاربة بفهم ما يقلق المجتمع أو ما يثير حماسه، ثم توجيه رسائل إعلامية مصممة خصيصاً لتعزيز الخوف أو الإحباط أو الانقسام الداخلي.
إن أحد أبرز أدوار الذكاء الاصطناعي في الحرب يتمثل في إنتاج الأخبار المضللة أو المفبركة، فبفضل تقنيات معالجة اللغة الطبيعية يمكن إنشاء مقالات ومنشورات تبدو واقعيةً للغاية، لكنها في الحقيقة مصممة للتلاعب بالرأي العام.
تستطيع هذه الأنظمة إنتاج آلاف الرسائل الإعلامية في وقت قصير، ونشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، بحيث تبدو وكأنها صادرة عن مستخدمين حقيقيين. وبهذه الطريقة يمكن تضخيم الشائعات أو نشر روايات معينة عن سير الحرب بهدف إضعاف ثقة الناس بمؤسساتهم أو قياداتهم.
من أخطر تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الحرب تقنية التزييف العميق، التي تسمح بصناعة فيديوهات تبدو حقيقيةً لشخصيات عامة وهي تقول أو تفعل أشياء لم تحدث في الواقع. ويمكن لهذه التقنية أن تُستخدم لإظهار قائد سياسي وهو يعلن الاستسلام، أو الإعلان عن اغتياله، أو لإظهار مسؤول عسكري وهو يعترف بخسائر فادحة، مما قد يؤدي إلى إرباك الجمهور أو الجنود وإضعاف الروح المعنوية.
ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على نشر الدعاية، بل يمتد أيضاً إلى تحليل المزاج العام للمجتمعات. فمن خلال تحليل البيانات الضخمة القادمة من وسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث يمكن معرفة: ما الذي يقلق المجتمع، ما هي القضايا الأكثر حساسية، وكيف يتغير الرأي العام مع تطور الأحداث.
وبناءً على هذه التحليلات يمكن تصميم حملات نفسية أكثر تأثيراً، تستهدف نقاط الضعف في المجتمع المعادي. من أمثلة تلك الحملات ما يحدث في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والحرب بين الحلف الأمريكي الإسرائيلي من جهة وإيران وحزب الله من جهة أخرى، حيث تستخدم الأطراف المختلفة وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي لنشر الدعاية أو الأخبار المضللة. وقد ظهرت مقاطع فيديو مزيفة لقادة سياسيين تهدف إلى التأثير في الرأي العام وإرباك الجمهور.
تكمن خطورة الذكاء الاصطناعي خلال الحرب في قدرته على طمس الحدود بين الحقيقة والخيال، فعندما يصبح من السهل صناعة فيديو أو خبر يبدو حقيقياً، يصبح الجمهور أكثر عرضة للتلاعب والتضليل. كما أن انتشار المعلومات المضللة قد يؤدي إلى: فقدان الثقة في وسائل الإعلام، انتشار نظريات المؤامرة، تعميق الانقسامات داخل المجتمعات.
لقد غيّر الذكاء الاصطناعي صورة الحرب بصورة جذرية، فبدلاً من المنشورات الدعائية التقليدية أصبحت المعارك تدور أيضاً في الفضاء الرقمي، حيث تُستخدم الخوارزميات والبيانات الضخمة للتأثير في العقول قبل السيطرة على الأرض. ومع استمرار تطور هذه التقنيات، يبدو أن المعركة الحقيقية في الحروب المستقبلية قد تكون معركة الوعي والإدراك، حيث يصبح التحكم بالمعلومات والروايات الإعلامية سلاحاً لا يقل قوة عن الصواريخ والدبابات. وإذا كانت الحروب القديمة تُحسم بالقوة العسكرية، فإن حروب العصر الرقمي قد تُحسم بقدرة الأطراف المتصارعة على توجيه الإدراك الجمعي وصناعة الحقيقة الإعلامية.