“حلبجة” جرح لا يندمل في ذاكرة شعب حر

شيركو حبيب

صباح ربيعي كوردستاني جميل، الأرض الخضراء مع نسمات الهواء المعطرة بورود الربيع الطبيعة التي تفوح منها رائحة الربيع، و الناس تتهيأ لاستقبال العيد الوطني الكوردي عيد نوروز.
الأرض تلبس أحلى الثياب، و الطيور تغرد أعذب الألحان على الأغصان، مع نسيم ربيعي، لم يكن بالبال أو بحسبان أحد، رغم بشاعة النظام آنذاك، أن تستعمل الأسلحة المحرمة دوليا ضد السعداء المحتفلين بالعيد، الغازات الكيماوية.
ففي تمام الساعة الحادية عشرة من صباح يوم ١٦ آذار / مارس ١٩٨٨ استشهد خمسة آلاف مواطن بريء جراء القصف الكيمياوي لمدينة حلبجة، لأول مرة في التاريخ نظام يستعمل الأسلحة الكيمياوية ضد شعبه، دون أي تهمة سوي أنهم كورد، هذه التهمة التي لا ذنب لهم فيها، فقد خلقهم الله سبحانه و تعالى كوردا دون إرادتهم.
نحن نفتخر بقوميتنا و سنبقى كوردا أبد الدهر، لم نعتد على أحد و لم نحتل أراضى الغير، لكننا تمسكنا بأرضنا وقوميتنا، وكان هذا السبب الرئيسي لإبادة الكورد إلى أن وصل النظام لاستخدام أسوأ وأخطر أسلحة محرمة دوليا ضدنا.
ورغم كل ذلك، واعتراف الحكومة العراقية آنذاك باستعمالها هذه الأسلحة، حيث أشار طارق عزيز وزير الخارجية آنذاك لاستعمال النظام العراقي هذه الأسلحة الكيمياوية ضد الكورد كما جاء في الوثائق البريطانية، ورغم اعتراف المجرم علي حسن الملقب ب “علي الكيمياوي” أمام المحكمة بأن القيادة لو طلبت منه مرة ثانية ذلك لفعل، إلا أن الدول و الأنظمة التي تدعي الديمقراطية وقفت موقف المتفرج ولم تفعل شيئا أو تتخذ أي إجراء سياسي أو دبلوماسي أو قانوني حسب القانون الدولي لمعاقبة رموز هذا النظام وتعويض الضحايا وذويهم أو تصنيف محرقة حلبجة كجريمة ضد الإنسانية.
بل إن بعض هذه الأنظمة أصدر بيانات بأن عواطفهم مع الشعب الكوردي وفقط، وذهبوا لإدانة أفعال وجرائم أقل شدة و حدة بحق شعوب في العالم البعيد، أو كيفما توجههم مصالحهم مع المؤسسات والمنظمات الدولية وقوانينها المطاطة التي تدين وتصنف كيفما تشاء القوى العظمى والتابعين لها على الدوام.
إن جريمة حلبجة لا تزال وصمة عار بوجه كل القوى الديمقراطية العالمية التي لم تتخذ موقفا محترما منصفا للضحايا حتى اليوم، هذه المدينة أصبحت نموذجا حيا للتضحية و الفداء، حتى الحكومة العراقية لم تف بوعدها و لم تلتزم بالدستور و لم تعوض ذوي ضحايا هذه الجريمة النكراء، وهي مطالبة حتى اللحظة بتقديم كل ما هو حق أصيل لذوي الضحايا.
إن هذه الجريمة النكراء ستبقى في ذاكرة كل إنسان وطني غيور، ومهما فعل المجرمون ضد الشعب الكوردي سيبقى الكورد مرفوعي الرأس ولن يركعوا لغير الله، و دائما هم عامل الاستقرار و السلام و العيش المشترك في العراق والشرق الأوسط كله، ورموزهم يحملون رسالة إخاء وسلام للجميع، والعالم كله يحمل تقديرا لهم، وأولهم الزعيم مسعود بارزاني الذي أدهش العالم بقيادته حربا واسعة ضد تنظيم داعش الإرهابي، وقدمت البيشمركة الكوردية أروع البطولات في حماية العالم من شروره.
إن الكورد دوما أهل فداء وتضحيات، لم يطلبوا من العالم الحر حين وقعت بحقهم جريمة حلبجة إلا إدانتها وتصنيفها كجريمة ضد الإنسانية حسب القوانين الدولية، لكن العالم لم يبد حرا في موقفه تجاهها، ولم تنصر قوانينه هذا الحق الكوردي الأصيل، وهي أزمة مستمرة عند الحديث عن وسائل الانتصاف الدولية متعددة المعايير والحسابات.

قد يعجبك ايضا