الحرب على إيران: اختبار تماسك النظام واتساع الجبهات الإقليمية

د.فيصل صادق توفيق/ دكتوراه فلسفة في القانون الدستوري والدولي

مع دخول الحرب الدائرة على إيران أسبوعها الثالث، لم يعد من الممكن قراءة ما يجري بوصفه مجرد مواجهة عسكرية محدودة أو تبادل للضربات بين أطراف متصارعة. فالحرب، في جوهرها، تحولت إلى اختبار استراتيجي مزدوج: اختبار لقدرة النظام السياسي الإيراني على الحفاظ على تماسكه الداخلي في ظل الضغوط العسكرية والسياسية المتصاعدة، واختبار في الوقت نفسه لمدى قابلية الصراع للتحول إلى مواجهة إقليمية متعددة الجبهات قد تعيد رسم موازين القوة في الشرق الأوسط.

إن الحروب الكبرى لا تقاس فقط بحجم العمليات العسكرية التي تدور في ميادين القتال، بل بطبيعة الأنظمة السياسية التي تخوضها وبمدى قدرتها على إدارة الصراع في ظروف استثنائية. وفي هذا السياق تحديداً، تبرز خصوصية الحالة الإيرانية، إذ إن النظام السياسي في إيران لا يقوم على بنية حكومية تقليدية يمكن اختزالها في مؤسسة واحدة أو قيادة فردية، بل على منظومة معقدة من المؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية التي تشكل معاً شبكة متداخلة من مراكز القرار.

في قمة هذه المنظومة يقف موقع المرشد الأعلى، الذي يشكل المرجعية العليا في النظام السياسي الإيراني من حيث الصلاحيات الدستورية والرمزية السياسية. فبحسب الدستور الإيراني، يمتلك المرشد سلطة الإشراف على السياسات العامة للدولة وقيادة القوات المسلحة، فضلاً عن دوره المحوري في تحديد الاتجاهات الاستراتيجية الكبرى للدولة في مجالات الأمن والسياسة الخارجية. إلى جانب ذلك، يشكل الحرس الثوري الإيراني أحد أهم أعمدة النظام، ليس فقط بوصفه مؤسسة عسكرية، بل باعتباره أيضاً فاعلاً سياسياً واقتصادياً يمتلك نفوذاً واسعاً داخل الدولة وخارجها.

لقد تطور دور الحرس الثوري منذ تأسيسه بعد الثورة الإسلامية عام 1979 ليصبح لاعباً مركزياً في منظومة السلطة الإيرانية. فهذه المؤسسة لا تقتصر وظيفتها على حماية النظام من التهديدات العسكرية، بل تدير أيضاً جزءاً مهماً من الاستراتيجية الإقليمية لإيران، وتملك حضوراً اقتصادياً واسعاً في قطاعات متعددة. ولذلك فإن أي حرب تستهدف إيران لا تُقرأ داخل النظام باعتبارها مواجهة عسكرية فحسب، بل بوصفها تحدياً مباشراً لمنظومة السلطة التي تشكلت خلال أكثر من أربعة عقود.

إلى جانب الحرس الثوري، توجد المؤسسة العسكرية التقليدية المتمثلة في الجيش الإيراني النظامي، الذي يتولى مهام الدفاع التقليدي عن حدود الدولة. ورغم أن هذا الجيش أقل حضوراً في السياسة مقارنة بالحرس الثوري، إلا أنه يمثل جزءاً مهماً من منظومة الدفاع الوطني ويضطلع بدور أساسي في إدارة العمليات العسكرية التقليدية. كما تعمل إلى جانب هذه المؤسسات العسكرية مؤسسات دستورية مثل رئاسة الجمهورية والبرلمان، فضلاً عن هيئات ذات طبيعة رقابية أو استشارية مثل مجلس صيانة الدستور ومجلس خبراء القيادة ومجمع تشخيص مصلحة النظام.

إن هذا التعدد المؤسسي يمنح النظام الإيراني نوعاً من التوازن الداخلي الذي يجعل من الصعب إحداث انهيار سريع في بنيته السياسية، حتى في ظل الضربات العسكرية أو الضغوط الدولية. فالنظام لا يعتمد على مركز واحد للسلطة يمكن استهدافه أو إضعافه بسهولة، بل يقوم على شبكة معقدة من المؤسسات التي تتداخل أدوارها في إدارة الدولة. ولهذا السبب، غالباً ما تكون قدرة الأنظمة ذات البنية المؤسسية المتعددة على امتصاص الصدمات أكبر من قدرة الأنظمة التي تتركز فيها السلطة في مركز واحد.

غير أن الحرب الحالية لا تختبر فقط قدرة النظام الإيراني على الصمود الداخلي، بل تختبر أيضاً الاستراتيجية الإقليمية التي بنتها طهران على مدى عقود. فمنذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية، اتجهت إيران إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ في عدد من دول الشرق الأوسط، مستندة إلى مزيج من التحالفات السياسية والدعم العسكري لقوى حليفة في المنطقة. وقد شكّلت هذه الشبكة ما يمكن وصفه بالعمق الاستراتيجي لإيران، إذ تتيح لها التأثير في معادلات إقليمية متعددة وتخفف من الضغوط المباشرة على أراضيها. وفي سياق الحرب الحالية، بدأت ملامح هذا العمق الاستراتيجي تظهر بوضوح من خلال اتساع ساحات التوتر خارج الحدود الإيرانية. فإحدى أبرز هذه الساحات تتمثل في لبنان، حيث يشكل التصعيد بين إسرائيل وحزب الله أحد أخطر مظاهر انتقال الصراع إلى المستوى الإقليمي. ففتح جبهة الشمال بالنسبة لإسرائيل يهدف إلى تشتيت قدراتها العسكرية، في حين يشكل بالنسبة لإيران وسيلة لنقل جزء من المواجهة خارج أراضيها. أما العراق، فيمثل ساحة أخرى شديدة الحساسية في معادلة الصراع. فوجود قوات أمريكية داخل الأراضي العراقية، إلى جانب انتشار فصائل مسلحة مرتبطة بمحور إيران، يجعل من هذا البلد نقطة تماس مباشرة بين الأطراف المتصارعة. وقد شهدت الساحة العراقية بالفعل تصاعداً في التوترات العسكرية والسياسية، الأمر الذي يعكس احتمال تحول العراق إلى إحدى الجبهات المركزية للصراع في حال اتسعت الحرب.

وفي المقابل، تبقى منطقة الخليج العربي الجبهة الأكثر حساسية في أي مواجهة مع إيران. فهذه المنطقة تمثل القلب النابض لأسواق الطاقة العالمية، وأي تصعيد فيها قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في إمدادات النفط والغاز، الأمر الذي يجعل من الحرب المحتملة في هذه الساحة قضية تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتصبح أزمة دولية ذات تأثير مباشر في الاقتصاد العالمي. إن اتساع الجبهات الإقليمية لا يعني بالضرورة أن الحرب تتجه حتماً نحو مواجهة شاملة، لكنه يعكس طبيعة الصراع الذي يتشكل تدريجياً حول إيران. فالدول التي تمتلك شبكة نفوذ إقليمي واسعة غالباً ما تلجأ في حالات المواجهة الكبرى إلى استخدام هذه الشبكة كوسيلة لتوسيع مساحة المناورة الاستراتيجية. غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة، لأن الحروب متعددة الجبهات قد تنزلق بسهولة إلى صراع إقليمي واسع يصعب التحكم في مساره.

ومن هنا، فإن ما يجري اليوم لا يمكن فهمه بوصفه مجرد حرب تقليدية بين دول أو أطراف عسكرية، بل باعتباره صراعاً أعمق يتعلق بإعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط. فالحرب على إيران تمثل اختباراً مزدوجاً: اختباراً لقدرة النظام الإيراني على الحفاظ على تماسكه الداخلي في مواجهة الضغوط، واختباراً في الوقت نفسه لمدى قدرة الإقليم على احتواء الصراع ومنع تحوله إلى حرب واسعة. ولهذا فإن الأسابيع الأولى من هذه الحرب قد تكون حاسمة في تحديد مسارها الاستراتيجي. فإذا بقيت المواجهة ضمن حدود التصعيد المحسوب، فقد تنتهي إلى إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية دون انهيارات كبرى. أما إذا اتجهت نحو مزيد من التوسع، فإن الشرق الأوسط قد يجد نفسه أمام مرحلة جديدة من الصراعات قد تمتد آثارها إلى النظام الدولي بأكمله.

قد يعجبك ايضا