حلبجة.. جرح نازف في ذاكرة التاريخ

المستشار منير حداد

يكتظ التاريخ الكوردي بمآس متلاحقة، سجلت صفحات بسعة الفضاء المترامي.. مكاناً وزماناً؛ فـ… لكل أمة مثابة، يتجدد نسغ الحياة بالوقوف عندها.. محطة تأمل في مواعظ الماضي ووجع الذاكرة المر، تضافراً مع حاضر.. إن لم نتداركه بوعي إستشرافي؛ فإنه يبدد المستقبل.
لذا أفتخر بأن الكوردي يجدد إنتماءه الفئوي، بإستحضار مأساة حلبجة، مثابة يتمحور حولها التاريخ بأبعاده المكانية والزمانية والوجودية والإجتماعية والسياسية.. ماضياً وحاضراً ومستقبلاً…
قنبلتا هيروشيما وناكازاكي النوويتان أيقظتا العقل الياباني، ليكف عن الإعتداء على جيرانه، ويتوجه الى التفوق العلمي الذي لا يبارى الآن ولا تجاريه أمة في ميادين العلم والمعرفة التي تنفع الإنسانية.
ورائحة التفاح العفن التي هبت موتاً كيمياوياً على مدينة حلبجة والقرى المحيطة بها، ساحقة الأطفال والشيوخ والنساء، أما الرجال فملتحقون بقمم وكهوف الجبال، يقاتلون الطاغية صدام حسين، مئات الآلاف إستشهدوا لتنتظم القضية الكوردية، حيث أدرك القادة، ضرورة التوجه نحو المواجهة المنهجية، بين المقاتل الكوردي.. فرداً.. وأفواج الجيش الصدامي فائق التدريب والتسليح والقسوة.
صحيح قلب الإنسانية.. من كورد وسواهم ما زال ينزف أسى مغرقاً في الحزن، لما فرط من دم الملائكة المسفوح في حلبجة، لكن لا أحد يتعلم مجاناً؛ تلك المأساة نبهت العقل العسكري الكوردي المعارض الى تنظيم منهجي في قلب المعادلة، بين جيش رسمي فائق التعداد، وتشكيلات عقائدية تتحرز بالجبال؛ فإنتصر العقل المنهجي برغم ضعف أدواته وقلة عدده، على الجيش المدجج بالقسوة تنبض في أحدث الأسلحة التي توجه نحو العزل في القرى الكوردية.. أطفال ونساء وشيوخ، أمضهم القلق على أبنائهم شباباً تلتصق أضلاع فتوتهم بصخور الجبال.. يتبادلون الموت المتربص بهم.. ضداً غير متكافئ مع ضده، إلا أن “ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى” فإنتصر الكورد المؤمنين بقضيتهم، على جيش صدام المساق بالقسوة المفرطة من دون إيمان عقائدي.
قصف صدام حسين، حلبجة بغاز السيانيد، حيث أشرف إبن عمه علي حسن المجيد، على الجيش العراقي، بنفسه، وهو ينفذ الهجوم الكيميائي يومي 16 و17 آذار 1988 فإستشهد سكان البلدة فوراً 3200-5000 وأصيب منهم 7000-10000 وجميهم مدنيون.
يومان أشرقت فيهما الشمس ملوثة برائحة التفاح العفن، التي يتميز بها السلاح الكيمياوي القاتل.. الذي لم يبقِ حجراً على حجرٍ، في مدينة يعيش أهلها رهافة الجمال الكوردي الأصيل.

قد يعجبك ايضا