حيدر فليح الشمري
في الحروب الكبرى، ليست البيانات العسكرية وحدها ما يكشف حقيقة المعركة، أحيانًا تكفي مقابلة صحفية قصيرة لتكشف ما تحاول التصريحات الرسمية إخفاءه، وهذا ما حدث في المقابلة التي أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع صحيفة فايننشال تايمز، والتي لم تتجاوز دقائق معدودة لكنها حملت إشارات سياسية أعمق بكثير مما يبدو في ظاهر الكلمات.
ففي تلك الدقائق القليلة، لم يكن الحديث مجرد تعليق على العمليات العسكرية الدائرة في الشرق الأوسط، بل بدا أقرب إلى اعتراف ضمني بحجم التعقيد الذي يواجهه التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مع إسرائيل في مواجهته مع إيران.
طلب المساعدة… إشارة إلى تعقيد الميدان
من بين أكثر النقاط لفتًا للانتباه في تصريحات ترامب دعوته لدول بعيدة جغرافيًا عن مسرح العمليات للمشاركة في حماية الملاحة البحرية، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، بل وحتى الإشارة إلى دور محتمل لـ الصين.
هذا الطلب يحمل دلالة سياسية مهمة، فحين تطلب القوة العسكرية الأكبر في العالم دعم دول تبعد آلاف الكيلومترات عن مسرح العمليات، فإن ذلك يكشف أن إدارة الحرب لم تعد مسألة عسكرية بسيطة، بل تحولت إلى معادلة دولية معقدة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية وأمن الطاقة والتحالفات الجيوسياسية.
الغياب الأوروبي
في المقابل يبرز الغياب الواضح لدول أوروبية كبرى مثل المملكة المتحدة وفرنسا عن المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية. هذا الغياب لا يمكن تفسيره فقط بالحسابات السياسية، بل قد يعكس أيضًا إدراكًا أوروبيًا بأن التصعيد العسكري في المنطقة قد يحمل مخاطر تتجاوز حدود المواجهة الحالية، خصوصًا في ظل التهديدات التي قد تطال القواعد العسكرية الغربية في الشرق الأوسط.
الخليج… الحليف المتحفظ
رغم وجود قواعد عسكرية أمريكية في عدة دول خليجية، فإن هذه الدول اختارت حتى الآن تجنب الدخول في المواجهة المباشرة، وهو موقف يعكس حرصًا واضحًا على عدم تحويل أراضيها إلى ساحة صراع مفتوحة.
هذه المعادلة تضع الولايات المتحدة في موقف معقد :فهي تمتلك البنية العسكرية في المنطقة، لكنها لا تمتلك بالضرورة تحالفًا إقليميًا مستعدًا لخوض حرب شاملة.
حدود القوة العسكرية
الضربات الجوية المكثفة التي استهدفت مواقع داخل إيران لم تنجح حتى الآن في إنهاء قدراتها العسكرية بشكل كامل، فالقوة الصاروخية الإيرانية المنتشرة على نطاق واسع، ما تزال عنصرًا فاعلًا في معادلة الردع. وهذا يعيد طرح سؤال استراتيجي قديم:
هل يمكن لحرب جوية أن تحسم صراعًا مع دولة كبيرة تمتلك شبكة دفاع وصواريخ موزعة على مساحة جغرافية واسعة؟ التجارب العسكرية الحديثة تشير إلى أن الإجابة ليست بهذه البساطة .
شرق آسيا يراقب
انشغال الولايات المتحدة عسكريًا في الخليج قد يخلق فراغًا استراتيجيًا في مناطق أخرى من العالم، وهو ما تراقبه قوى كبرى مثل الصين عن كثب، خصوصًا في الملفات الحساسة المرتبطة بـ تايوان. ومن هنا يمكن فهم دعوة واشنطن لدول آسيوية للمشاركة في حماية الملاحة ليس فقط كطلب دعم، بل أيضًا كمحاولة للحفاظ على توازنات جيوسياسية أوسع .
صمت الحلفاء… وصمود الخصم
لكن الملاحظة الأهم في المشهد كله قد لا تكون في ما قيل، بل في ما لم يُقال، فبينما تبحث واشنطن عن دعم دولي أوسع لإدارة المواجهة، يبدو أن العديد من الحلفاء يفضلون البقاء على مسافة من الحرب. وفي المقابل تستمر إيران في خوض المواجهة رغم الضربات العسكرية والضغوط السياسية والاقتصادية .
في هذه قراءة الهادئة لتلك الدقائق القليلة من مقابلة ترامب مع صحيفة فايننشال تايمز، قد يكون أهم ما كشفته الكلمات ليس ما قيل صراحة، بل ما اضطر الرجل إلى الاعتراف به ضمنًا. فعندما تضطر القوة العسكرية الأكبر في العالم إلى مطالبة حلفاء بعيدين “بل وحتى خصوم استراتيجيين” بالمشاركة في حماية ممر مائي واحد مثل مضيق هرمز، فإن ذلك يكشف حقيقة أعمق من مجرد أزمة ملاحة.
إنه اعتراف بأن الحرب، رغم شدتها، لم تكسر الطرف المقابل. ففي هذه الحروب لا يُقاس النصر دائمًا بعدد الضربات التي تُوجَّه ، بل بقدرة الطرف المستهدف على البقاء والصمود وإجبار خصومه على إعادة حساباتهم . ومن هذه الزاوية تحديدًا يصبح المشهد أكثر وضوحًا:
فإذا كانت الولايات المتحدة ” بكل ما تملكه من قوة وتحالفات ” ما تزال تبحث عن شركاء لإدارة المعركة، فإن مجرد استمرار إيران في الوقوف داخل هذه المواجهة قد يكون بحد ذاته تحولًا استراتيجيًا في ميزان الصراع.
فالتاريخ العسكري يخبرنا أن القوة العظمى قد تربح الضربة الأولى، لكنها لا تربح الحرب بالضرورة، إذا لم تستطع كسر إرادة خصمها.