مناف حسن
منذ أكثر من عقد من الزمن يعيش إقليم كوردستان تحت ضغوط سياسية واقتصادية متواصلة، كان أبرزها قطع بغداد لميزانية الإقليم لسنوات طويلة، الأمر الذي ألحق ضررا مباشرا بحياة المواطنين. فقد وجد مئات الآلاف من موظفي الإقليم أنفسهم ضحايا لقرارات سياسية لا علاقة لهم بها، حيث حرموا من رواتبهم أو استلموها بشكل متقطع، في وقت كانت فيه العائلات تعتمد بشكل أساسي على تلك الرواتب لتأمين أبسط متطلبات الحياة.
لم تتوقف الضغوط عند حدود الميزانية، بل امتدت لتشمل محاولة خنق الاقتصاد في الإقليم عبر عرقلة استخراج وتصدير نفطه، وهو المورد الرئيسي الذي يعتمد عليه لتأمين رواتب الموظفين وتسيير مؤسسات الحكومة. وبدل أن تُحل هذه القضايا بروح الشراكة التي نص عليها الدستور، تحولت إلى أدوات ضغط سياسي يدفع ثمنها المواطن البسيط.
بل إن العام الماضي شهد مثالا واضحا على هذا الواقع، حين لم يستلم موظفو الإقليم سوى عشرة رواتب من أصل اثني عشر، بعد أن قطع راتبان كاملان. ومع ذلك، لم نشهد موقفًا واضحا أو صريحا من كثير من السياسيين أو من أولئك الذين يقدمون أنفسهم مدافعين عن حقوق الإنسان والعدالة. خيم الصمت على الكثير من الأصوات التي اعتادت الحديث عن الظلم عندما يتعلق الأمر بقضايا أخرى، وكأن معاناة شعب كوردستان لا تستحق أن تذكر.
الأكثر ايلاما أن هذا الصمت يتكرر حتى في القضايا الأمنية الخطيرة. ففي ظل التوترات الإقليمية والصراع بين الولايات المتحدة وإيران، يتعرض إقليم كوردستان لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة من قبل جماعات مسلحة منفلتة مرتبطة بإيران. هذه الهجمات لا تستهدف طرفا سياسيا بعينه، بل تضرب أمن الإقليم واستقراره وبناه التحتية، ومع ذلك نادرا ما نسمع إدانة واضحة من أطراف عراقية يفترض أنها حريصة على سيادة البلاد وأمنها.
والمؤسف ان أكثر الأصوات التي التزمت الصمت طوال السنوات الماضية، بدأت اليوم تتحدث بلغة الاتهام، مدعية أن الإقليم لا يريد تصدير النفط. وهنا يبرز سؤال مشروع يطرحه الكثير من أبناء كوردستان، أين كانت هذه الأصوات عندما قطعت الميزانية؟ وأين كانت عندما منعت رواتب الموظفين؟ ولماذا لم نسمع اعتراضا عندما فُرضت القيود على تصدير نفط الإقليم؟
إن شعب كوردستان لم يكن يوما خارج معادلة العراق، بل كان دائما جزءًا اساسيا من استقراره وأمنه، وقد قدم تضحيات كبيرة في مواجهة الإرهاب والدفاع عن البلاد. لذلك فان العدالة تقتضي أن تعامل حقوق الإقليم ومواطنيه بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة.
إن المطلوب اليوم ليس المزيد من الاتهامات أو الحملات الإعلامية، بل موقف وطني صادق يعترف بالحقائق ويسعى إلى حل الخلافات على أساس الدستور والشراكة الحقيقية. فالعراق لا يمكن أن يستقر إذا شعر جزء من شعبه بالظلم أو التهميش، والاستقرار الحقيقي يبدأ عندما تمنح حقوق الجميع دون استثناء.