آسيا توفيق وهبي… سيرة امرأة صنعت للمرأة العراقية صوتاً

محمد علي محيي الدين

ولدت آسيا توفيق وهبي في بغداد سنة 1901 في بيتٍ جمع بين الانفتاح والاهتمام بالمعرفة. كان والدها رضا الديزة لي، التاجر القادم من السليمانية، رجلاً واسع الأفق يؤمن بأن التعليم هو الطريق الأوسع إلى الحياة، فحرص على أن تحظى ابنته بما لم يكن مألوفاً لكثير من بنات جيلها من ثقافة وتعلّم. وفي ذلك المناخ المبكر تفتحت شخصية آسيا، فكبرت وهي تدرك أن للمرأة دوراً يتجاوز حدود البيت إلى فضاء المجتمع.

وحين اقترنت بالكاتب واللغوي والمؤرخ الكردي توفيق وهبي عام 1927، لم يكن الزواج نهاية لطموحها بل بداية لمرحلة جديدة من العمل الفكري والاجتماعي. فقد وفر لها زوجها مناخاً مشجعاً، فوجدت نفسها قادرة على توسيع مداركها ومتابعة التيارات الثقافية والفكرية التي كانت تتشكل في العراق والعالم العربي في النصف الأول من القرن العشرين. وبمرور الوقت أخذ اسمها يبرز بين النساء اللواتي أدركن أن النهضة لا يمكن أن تكتمل ما لم تكن المرأة شريكاً فيها.
منذ العشرينيات بدأت آسيا وهبي تنخرط في العمل النسوي المنظم، فانضمت إلى جمعيات نسوية مبكرة مثل جمعية النهضة النسائية التي تأسست سنة 1923، كما شاركت في جمعية مكافحة العلل الاجتماعية. وكان هاجسها أن تتجمع النساء العراقيات في إطار عمل مشترك ينهض بواقع المرأة ويمنحها حضوراً يوازي ما كانت تشهده بلدان عربية أخرى، ولا سيما مصر وتركيا، حيث بدأت حركات نسوية واضحة المعالم.
ومع اتساع الوعي الاجتماعي في العراق بعد الحرب العالمية الثانية، شهد عام 1945 ولادة الاتحاد النسائي العراقي، فكانت آسيا توفيق وهبي أول من تولى رئاسته. لم يكن ذلك المنصب مجرد لقب إداري، بل مسؤولية حملتها بجدية، فعملت مع مجموعة من سيدات المجتمع العراقي اللواتي برزن في تلك المرحلة، وكان لكل واحدة منهن دور في دعم الحركة النسوية الناشئة. وفي ظل قيادتها أصبح الاتحاد إطاراً جامعاً لعدد من الجمعيات النسوية، وسعى إلى تنسيق جهودها وتوحيد برامجها.
كان نشاط الاتحاد يتجاوز حدود المطالب الاجتماعية الضيقة، إذ عمل على ربط الحركة النسوية العراقية بنظيراتها في العالم العربي وفي المؤسسات النسوية الدولية، فغدت المرأة العراقية حاضرة في المؤتمرات واللقاءات التي تبحث قضايا المرأة وحقوقها. وقد شاركت آسيا وهبي في مؤتمرات عدة داخل العراق وخارجه، ومثلت نساء البلاد في المؤتمر العالمي للمرأة الذي عقد في لاهور سنة 1952، كما شاركت في مؤتمرات عربية في بيروت ودمشق، وأسهمت في تنظيم مؤتمر نسائي عربي في بغداد في العام نفسه.
كانت رؤيتها واضحة: لا يمكن للمجتمع أن يتقدم إذا بقيت المرأة على هامشه. لذلك دافعت عن جملة من القضايا التي كانت تعد في ذلك الزمن جرأة فكرية واجتماعية. فقد طالبت بحق المرأة في التملك، وبأن يُمنح الطفل للأصلح من الأبوين عند حدوث الانفصال، كما دعت إلى منح المرأة حقوقها السياسية وحقها في الانتخاب والمشاركة في الحياة العامة. ولم تتردد في إثارة مسائل اجتماعية حساسة مثل المهور والطلاق وغيرها من القضايا التي كانت تؤثر في حياة النساء.
ولم يقتصر نشاطها على العمل التنظيمي، بل امتد إلى النشاط الثقافي والإعلامي. فقد أسست مجلة الاتحاد النسائي، وتولت رئاسة تحريرها، لتكون منبراً فكرياً واجتماعياً يناقش قضايا المرأة والمجتمع. صدرت المجلة في بغداد، وشارك في تحريرها عدد من المثقفين والكاتبات، وتنوعت موضوعاتها بين الشؤون الاجتماعية والثقافية والتربوية. وفي افتتاحية أحد أعدادها كتبت آسيا وهبي مؤكدة إيمانها بأن المرأة العراقية ينبغي أن تسير إلى جانب الرجل، تشاركه أفراحه ومحنه، وأن حصولها على حقوقها الكاملة هو الطريق إلى مشاركتها الفعلية في بناء المجتمع.
وكانت صفحات المجلة تضم أبواباً تعرّف بالنساء البارزات في العالم، وتتابع أخبار المرأة في البلدان الأخرى، إلى جانب مقالات أدبية وفكرية كتبها مثقفون ومثقفات من العراق. وقد أسهمت المجلة في نشر الوعي بقضايا تعليم المرأة وحقها في العمل وفي المشاركة الاجتماعية، فكانت انعكاساً لمرحلة شهدت ظهور نساء مثقفات اقتحمن ميادين الأدب والصحافة والعمل العام.
كما أولت آسيا وهبي اهتماماً خاصاً بالنشاط الاجتماعي المباشر. فقد تولت رئاسة الفرع النسائي لجمعية حماية الأطفال، وأسهمت في تأسيس جمعية مكافحة العلل الاجتماعية، وكانت عضواً في جمعية الهلال الأحمر. ومن خلال الاتحاد النسائي شاركت في أعمال خيرية وإنسانية، منها إرسال مواد الإسعافات الأولية إلى الجيش العراقي في حرب فلسطين سنة 1948، ومساعدة المتضررين من فيضان عام 1954.
وكانت تؤمن بأن إشراك الشباب في الحياة الفكرية والاجتماعية ضرورة لبناء مجتمع حي، لذلك شجعت المسابقات الثقافية، ومنها مسابقة لكتابة أفضل مقال عن الأم بمناسبة عيد الأم عام 1957، وقد كوفئ الفائز فيها بساعة ذهبية، في بادرة هدفت إلى تشجيع الطلبة على التعبير والكتابة.
كما وثقت جانباً من نشاط المرأة العراقية في كتاب حمل عنوان “أعمال المرأة العراقية في حقل الخدمة العامة”، صدر في ستة أجزاء، وكان محاولة لتسجيل حضور النساء في ميادين العمل الاجتماعي والخيري والثقافي. وبهذا الجهد أرادت أن تثبت أن المرأة العراقية لم تكن غائبة عن تاريخ المجتمع، بل كانت شريكاً في صناعته.
ومع تحولات العراق السياسية في أواخر الخمسينيات انتقلت آسيا وهبي مع زوجها إلى لندن سنة 1958، حيث أقاما هناك سنوات طويلة. لكنها ظلت في ذاكرة من عرفها امرأة كرست حياتها لفكرة أن نهضة المجتمع لا تتحقق إلا بتوازن أدوار أبنائه وبناته.
في عام 1980 رحلت آسيا توفيق وهبي في لندن، غير أن رحلتها لم تنته هناك. فقد نُقل جثمانها إلى بغداد بناءً على وصيتها، ودفنت في مقبرة الحضرة القادرية، لتعود إلى المدينة التي شهدت ولادتها وبدايات نضالها، وكأن حياتها أرادت أن تكتمل في المكان نفسه الذي بدأت منه، شاهدةً على مرحلة من تاريخ العراق كانت فيها امرأة واحدة قادرة على أن تفتح باباً واسعاً لصوت النساء في الحياة العامة.

قد يعجبك ايضا