د.ايناس الفيلي
لم يكن التعليم العالي في العراق خلال حقبة الحكم الدكتاتوري مجرد مسار علمي يسلكه المجتهدون بل كان في كثير من الأحيان امتيازاً سياسياً تمنحه السلطة لمن يدور في فلكها ويخدم مشروعها. لقد تحول باب الدراسات العليا في تلك السنوات إلى بوابة لا يطرقها إلا أبناء الطبقة المقربة من السلطة وأولئك الذين ارتبطت مصالحهم بالحزب الحاكم فكانت البعثات الدراسية إلى الخارج والقبولات في الجامعات المرموقة توزع على أساس الولاء قبل الكفاءة وعلى أساس الانتماء قبل الاستحقاق في ذلك الزمن كان كثير من أبناء الشعب العراقي محرومين من فرص العلم والتطور لا لضعف قدراتهم بل لأنهم لم يكونوا جزءاً من الطبقة المخملية التي أحاطت بالنظام كانت الأبواب تغلق أمام الكثير من العقول الواعدة بينما تفتح على مصاريعها أمام أبناء السلطة ومن سار في ركابها حتى أصبح العلم في بعض مفاصله امتيازاً طبقياً لا حقاً إنسانياً ومع سقوط ذلك النظام تغيرت المعادلة أصبح الطريق إلى التعليم العالي مفتوحاً لكل من يمتلك الإرادة والقدرة على الدراسة سواء كان ذلك على نفقته الخاصة أم ضمن برامج الدولة. لم يعد العلم حكراً على فئة بعينها بل صار حقاً متاحاً لأبناء المجتمع بمختلف انتماءاتهم وطبقاتهم. وهذا التحول لم يكن مجرد تغيير إداري بل كان استعادة لحق طبيعي سلب من أجيال طويلة غير أن المفارقة المؤلمة تظهر اليوم حين يحاول بعض من كانوا أبناء تلك المنظومة أو المستفيدين منها النظر إلى طلاب الدراسات العليا في المرحلة الحالية بنظرة استعلاء وكأن العلم ملك خاص لهم وكأن الجامعات وجدت لتكون امتداداً لامتيازاتهم القديمة. يتناسون أن الزمن قد تغير وأن المعرفة لا يمكن أن تبقى أسيرة طبقة أو حزب أو عائلة إن العلم الحقيقي لا يقاس بتاريخ الامتيازات ولا بماضٍ صنعته السلطة بل يقاس بقدرة الإنسان على التعلم والعمل والإنتاج. فالأجيال الجديدة التي فتحت أمامها أبواب الجامعات بعد عقود من الإقصاء قادرة مع مرور الزمن على أن تصنع تراكمها المعرفي وخبرتها العلمية وأن تثبت أن المعرفة لا تنتمي إلى طبقة بل إلى كل من يسعى إليها بصدق وإرادة لقد أثبت التاريخ أن احتكار العلم لا يدوم وأن السلطة حين تحاول أن تحصر المعرفة في دائرة ضيقة فإنها في النهاية تخسر لأن المعرفة بطبيعتها قوة تحرر لا أداة احتكار. وما نراه اليوم من اتساع فرص التعليم هو خطوة نحو إعادة التوازن الاجتماعي والعلمي في بلد عانى طويلاً من تسييس المعرفة وتحويلها إلى امتياز سلطوي إن الزمن الذي كان فيه التعليم العالي حكراً على فئة قد انتهى ولن يعود لأن العلم حين يتحرر من قبضة السياسة يصبح ملكاً للمجتمع كله وعندها فقط تظهر القيمة الحقيقية للشهادة لا باعتبارها لقباً اجتماعياً بل باعتبارها مسؤولية علمية وأخلاقية تجاه الوطن والناس.