علي جبران
مع تسارع التطورات في الشرق الأدنى، تتشكل ملامح صراع معقد تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية. فالمواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، دخلت أسبوعها الثالث منذ اندلاعها في 28 فبراير الماضي، وسط تحولات دراماتيكية تعيد رسم ملامح التوازنات الإقليمية. وفي ظل هذا التصعيد المتواصل، يبرز سؤال جوهري يتعلق بميزان القوى بين طرفي الصراع، وما إذا كانت هذه المواجهة ستفضي إلى حسم سريع أم إلى حرب استنزاف طويلة.
المحور الأمريكي–الإسرائيلي
يعتمد هذا المحور على تفوق واضح في المجال التكنولوجي والهجومي، مدعوماً بقدرات استخباراتية متقدمة وهيمنة شبه كاملة على الفضاء المعلوماتي. وتستند هذه القوة إلى منظومة من أسلحة الجيل الخامس، والطائرات المسيّرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى قدرات سيبرانية قادرة على تعطيل البنى التحتية الحيوية دون الحاجة إلى مواجهة تقليدية مباشرة. ولا تكمن أهمية هذا التفوق في قدرته التدميرية فحسب، بل أيضاً في إمكانية اختراق المنظومات الأمنية المعقدة داخل العمق الإيراني واستهداف مراكز القيادة والمنشآت الاستراتيجية، الأمر الذي يضع الخصم في حالة ارتباك دفاعي دائم ويحدّ من قدرته على المبادرة.
واصبح من الواضح في العمليات العسكرية الأخيرة تفوق بتنفيذ ضربات دقيقة في العمق الإيراني، مستهدفة مراكز القيادة والسيطرة وبعض المنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي والبنية الصاروخية. كما لا يمكننا التغاظي على حصول هذا المحور على غطاء سياسي دولي يسعى إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، مستنداً إلى تحالفات إقليمية جديدة ومؤشرات على تململ في الداخل الإيراني.
إلا أن هذا التفوق العسكري لا يخلو من نقاط ضعف استراتيجية. فإسرائيل، رغم قوتها العسكرية، تبقى دولة صغيرة المساحة ذات كثافة سكانية مرتفعة ومتركزة في نطاق جغرافي محدود، ما يجعلها عرضة لشلل واسع في حال استمرار الهجمات الصاروخية والمسيّرات لفترة طويلة. كما أن منظومات الدفاع الجوي، مثل القبة الحديدية ومقلاع داوود، تعتمد على مخزون محدود من الصواريخ الاعتراضية، ما يثير مخاوف من استنزافها في حال استمرار الهجمات الإيرانية.
أما الولايات المتحدة، فتواجه بدورها تحدياً سياسياً داخلياً يتمثل في القلق من الإنزلاق إلى حرب إقليمية واسعة يصعب التنبؤ بمآلاتها، خاصة في ظل الكلفة الاقتصادية والعسكرية المتزايدة للدعم اللوجستي والعملياتي. وقد يؤدي إستمرار الصراع إلى تآكل الدعم الشعبي والسياسي للرئيس ترامب، خصوصاً ان الحرب الجمهوري تننتظره انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر المقبل، اذ ستكون التطورات الاقتصادية عامل رئيسا في حسم النتيجة النهائية للانتخابات ومن سيسيطر على الكونغرس.
إيران .. “الردع غير المتناظر”
في الجهة المقابلة، تبني طهران استراتيجيتها على ما يمكن وصفه بـ”الردع غير المتناظر” وحرب إستنزاف طويلة الأمد. فبدلاً من مواجهة التفوق الجوي الغربي بشكل مباشر، تعتمد طهران على مزيج من العمق الجغرافي الذي تتمتع به واللامركزية في القيادة والسيطرة، ما يسمح لقواتها بمواصلة القتال حتى في حال تعرض مراكز القيادة الرئيسية لضربات قوية. كما انها تستفيد من جغرافيتها الوعرة ومن شبكة واسعة من المنشآت المحصنة التي بنتاها عبر عقودا من الزمن تحت الأرض.
إلى جانب ذلك، تمتلك طهران ورقة ضغط جيوسياسية شديدة الحساسية تتمثل في قدرتها على التأثير في أمن الملاحة الدولية، خصوصاً في مضيق هرمز الذي يمر عبره حوالي 20٪ من صادرات النفط العالمي يومياً. وقد بدأت مؤشرات هذا الضغط تظهر بالفعل في تقلبات أسعار الطاقة العالمية، ما يمنح طهران أداة اقتصادية مؤثرة في مواجهة المحور الأمريكي–الإسرائيلي.
كما تستند الإستراتيجية الإيرانية إلى شبكة الحلفاء في الجنوب اللبناني، العراق، واليمن، ما يفتح المجال أمام تعدد الجبهات وإستنزاف الخصوم عبر عمليات متفرقة ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية وحلفائهما. هذا الانتشار الإقليمي يمنح طهران قدرة على توسيع رقعة الصراع وإرباك الحسابات العسكرية للطرف الآخر.
مع ذلك، تواجه إيران تحديات داخلية كبيرة قد تمثل نقطة ضعف حاسمة في هذا الصراع. فالعقوبات الاقتصادية المتواصلة منذ عقود، أثقلت كاهل الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني من تضخم مرتفع وتراجع في القدرة الشرائية. كما تأتي هذه المواجهة في ظل حالة من التوتر الداخلي والاحتجاجات الشعبية، ما يجعل النظام يواجه ضغوطاً متزامنة على الجبهتين الخارجية والداخلية.
إضافة إلى ذلك، تشير التقديرات إلى أن فقدان بعض القيادات العسكرية المؤثرة قد أحدث صدمة في هرم القيادة، وهو ما قد ينعكس على سرعة اتخاذ القرارات الاستراتيجية. كما أن الفجوة التكنولوجية بين أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية والتقنيات الغربية الحديثة تجعل العديد من الأهداف الحيوية عرضة للاختراق والضربات الدقيقة.
في المحصلة، يبدو أن هذا الصراع يجمع بين نمطين مختلفين من القوة: تفوق تقني وعسكري واضح لدى المحور الأمريكي–الإسرائيلي، مقابل استراتيجة إيرانية لصمود طويل وتوسيع نطاق الصراع إقليمياً. وبين هذين المسارين، تبقى النتيجة النهائية مرهونة بمدى قدرة كل طرف على تحمل كلفة المواجهة.
فإذا كان التفوق العسكري قد يمنح القدرة على تحقيق إنجازات ميدانية سريعة، فإن حروب الاستنزاف كثيراً ما تُحسم بميزان القدرة على الصبر والتحمل. وفي هذا السياق، قد تحدد الأسابيع والأشهر المقبلة ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية تفرض تغييراً كبيراً في موازين القوى، أم نحو مرحلة طويلة من الفوضى الإقليمية التي قد لا يخرج منها أي طرف منتصراً بشكل واضح.