ماهين شيخاني
في هذا الصباح الماطر من منتصف آذار، حين كانت السماء تمطر بهدوء وكأنها تراجع حساباتها مع الأرض، خطر ببالي صديقي القديم زيدو. لا أدري لماذا تذكّرته فجأة؛ ربما لأن المطر يوقظ الذاكرة، أو لأن هذا الزمن صار يشبهه كثيراً.
اشتقت أن أعرف أخباره. ليس حباً بالضرورة، بل فضولاً أيضاً؛ فالرجل كان مدرسة متنقلة في فن التكيّف القومي.
تعرفنا إلى زيدو أيام الخدمة الإلزامية. كنا سبعة جنود نعيش في خيمة عسكرية تشبه خيمة القرباط أكثر مما تشبه ثكنة للجيش:
ثلاثة كورد، ثلاثة عرب… وزيدو.
ولأن الخيمة كانت صغيرة، كان علينا أن نتقاسم كل شيء: البطانيات، الخبز اليابس، البرد… وحتى الهويات القومية.
لكن زيدو كان الوحيد الذي يملك هوية مرنة، قابلة للطي والتمدد حسب الطقس السياسي داخل الخيمة.
حين نخرج نحن الكورد إلى الحراسة أو المطبخ، كان زيدو يجلس مع رفاقنا العرب ويقول لهم بثقة شاعر جاهلي اكتشف نسبه للتو:
— «بصراحة يا شباب… أنا أصلي عربي.»
يهزون رؤوسهم إعجاباً، وربما يشعر أحدهم أن العروبة كسبت جندياً جديداً في معركة التاريخ.
لكن ما إن يغادر العرب الخيمة حتى يستدير إلينا زيدو بوجه آخر، ويخفض صوته قليلاً كمن يكشف سراً عائلياً:
— «الحقيقة يا شباب… أنا كوردي. لكن تعرفون، قريتنا مختلطة بين العرب والكورد.»
كان يبتسم ابتسامة دبلوماسية، وكأنه سفير غير معتمد بين قوميتين.
أما رفيقنا مسلم من كوباني، فكان يراقب المشهد بهدوء فلاح يعرف طبائع الأرض. وفي إحدى الأمسيات قال جملته الشهيرة وهو ينفث دخان سيجارته:
— «هذا يا جماعة من فصيلة التول تعژي.»
والـ«تول تعژي» ـ لمن لا يعرف هذا الكائن النادر ـ هو مخلوق اجتماعي متطور، يملك قدرة خارقة على الظهور في كل عرس، وفي كل مناسبة، ومعه قرص جاهز لأي صحن يُمدّ أمامه.
لا يهمه من صاحب العرس، المهم أن تكون الطاولة عامرة.
واليوم، بعد سنوات طويلة، وأنا أتابع أحوال المنطقة، أكتشف أن زيدو لم يكن شخصاً… بل كان نبوءة.
فالساحة اليوم مليئة بأبناء عمومته:
رجال بوجوه متعددة، وهويات قابلة للتعديل، وقناعات تتغير بسرعة نشرات الأخبار.
مع كل تبدل في الرياح، يخرج من الخيمة زيدو جديد…
ويقول بثقة تامة:
— «بصراحة يا شباب… أنا منكم.»
لكن المشكلة أن الخيمة هذه المرة لم تعد خيمة عسكرية صغيرة…
بل المنطقة كلها.
* ماهين شيخاني.