مصطفى طارق الدليمي
في قاموس الجغرافية القديم كانت المدن تُبنى خلف الأسوار لتأمن شرّ الغزاة وكانت الجبال والبحار عوازل طبيعية تمنح سكانها شعوراً بالطمأنينة لكن في زمن “الرسائل البالستية” و”المسيّرات الانتحارية”تغيّرت الوظيفة التقليدية للجغرافية فلم تعد الأرض مجرد مساحة للاستقرار بقدر ما أصبحت بريداً سريعاً تُكتب عليه مواقف القوى الإقليمية والدولية
ما يحدث اليوم في المنطقة ومن بينها العراق هو تحوّل المدن التي كانت تُصنَّف آمنة أو بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر إلى منصّات لتبادل الرسائل السياسية فعندما يسقط صاروخ قرب مدينة مستقرة فإن الهدف في كثير من الأحيان لا يكون تدمير بنيتها التحتية بقدر ما يكون إرسال رسالة سياسية مشفّرة إلى طرف ثالث خلف البحار أو وراء الحدود في هذا المشهد تتحول المنطقة إلى ورقة تُكتب عليها الرسائل بالبارود وتصبح الضربة العسكرية نصاً سياسياً قابلاً للتأويل أكثر من كونها عملية عسكرية خالصة
اختيار المدن الهادئة تحديداً ليس أمراً عشوائياً انما يحمل دلالات تتجاوز الحدث العسكري نفسه فاستهداف مدينة مستقرة يعني أولاً أن قواعد الاشتباك التقليدية لم تكن ثابته وأن الخطوط الحمراء التي كانت تحكم الصراعات باتت أكثر هشاشة كما أن الرسالة لا تُوجَّه إلى الجيوش فقط انما إلى المجتمع والاقتصاد أيضاً فسقوط صاروخ واحد قد يكون كافياً لإثارة القلق في الشارع وزعزعة ثقة المستثمرين وإرباك الحياة اليومية وفي أحيان كثيرة يكون الصاروخ الذي ينطلق من نقطة بعيدة ليسقط في نقطة أخرى مجرد تذكير بقدرة الطرف المرسل على الوصول إلى أي إحداثية يختارها في استعراض للقوة أكثر منه سعياً لتحقيق مكسب عسكري مباشر
في العراق تبدو هذه الصورة أكثر وضوحاً من غيرها فموقعه الجغرافي الذي يتوسط صراعات المنطقة جعل من سمائه صندوق بريد مزدحماً بالرسائل العسكرية تأتي الرسائل أحياناً من الشرق وأحياناً من الغرب وفي كل مرة يدفع المواطن العراقي ثمن هذا الموقع الاستراتيجي الذي كان يفترض أن يكون جسراً للتجارة والتواصل لكنه تحول في كثير من الأحيان إلى عبء أمني ثقيل
ومع تطور التكنولوجيا العسكرية تلاشت المسافات أمام الصراعات فالصاروخ لم يعد يحتاج إلى عبور تقليدي للحدود والرادارات لا تستطيع دائماً منع رسالة طائرة من الوصول إلى هدفها أما المسيّرات ببساطتها وكلفتها المحدودة مقارنة بالأسلحة التقليدية فقد أعادت تعريف مفهوم القوة إذ بات بإمكان فاعلين أصغر حجماً إرباك حسابات دول كبرى وتحويل مدن بعيدة عن الجبهات إلى ساحات قلق دائم
إن تحويل المنطقة إلى ساحة رسائل هو في جوهره اعتراف بفشل الدبلوماسية قبل أن يكون نجاحاً للعسكر
فالمدن التي يفترض أن تكون فضاءات للحياة والعمل والتنمية تتحول تدريجياً إلى نقاط اختبار للردع والتوازنات السياسية وفي ظل هذا المشهد المضطرب يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وقف الصواريخ انما في إعادة الاعتبار لفكرة أن الجغرافية يجب أن تكون مساحة للعيش لا ساحة لتبادل الرسائل النارية
ويبقى السؤال الأهم معلقاً فوق سماء المنطقة
إلى متى ستظل مدننا هي الورق الذي يكتب عليه الكبار صراعاتهم بالدم والنار.