التأخي / وكالات
أكد وزير الإعلام اللبناني بول مرقص أن وزارة الإعلام لا تمارس أي رقابة مباشرة على الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، مشدداً على أن دورها يقتصر على التوعية والتوجيه والتدريب، في حين تظل الملاحقة القانونية للمخالفات من اختصاص القضاء حصرا.
وأوضح مرقص أن “وسائل التواصل الاجتماعي وروادها تخرج عن نطاق قانون الإعلام التقليدي وعن صلاحيات الوزارة”، مضيفاً أنها “تخضع للقوانين العامة، ولم تنجح أي دولة في تنظيمها بشكل كامل ومرضٍ حتى الآن”. وأشار إلى أن الوزارة “لا تمتلك ضابطة عدلية أو جهازاً تنفيذياً أو ما يشبه الشرطة الإعلامية”، بل تكتفي بالتواصل مع الإعلاميين لمعالجة المشكلات .
وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أحد أبرز محركات المشهد الإعلامي في لبنان، حيث تتجاوز دورها التقليدي في نقل الأخبار لتصبح فضاءً رئيسياً للإعلام البديل والمستقل، وسط أزمة اقتصادية مستمرة وتراجع في الإعلام التقليدي .
وبلغ عدد هويات المستخدمين النشطين على وسائل التواصل الاجتماعي في لبنان نحو 4.58 مليون شخص بنهاية عام 2025، ما يعادل 78.1% من إجمالي السكان، مع ارتفاع بنسبة 13.8% مقارنة بالعام السابق. وتشير الإحصاءات إلى أن فيسبوك وواتسابيتصدران الاستخدام، يليهما إنستغرام وتيك توك، فيما يحتل إكس مكانة بارزة في النقاشات السياسية والإخبارية .
وفي سياق الأزمات المتعددة التي شهدها لبنان منذ انهيار النظام المالي عام 2019 وانفجار مرفأ بيروت، برزت المنصات الرقمية كبديل عن الإعلام التقليدي الذي عانى من انهيار الإيرادات الإعلانية وانسحاب التمويل الخارجي، خاصة من دول الخليج. وأدى ذلك إلى إغلاق مؤسسات إعلامية تاريخية مثل جريدة “السفير” وقناة “المستقبل”، مما فتح المجال أمام منصات مستقلة تعتمد بشكل أساسي على وسائل التواصل لنشر محتواها .
وتشمل هذه المنصات الرقمية البديلة حسابات تركز على التحقيقات الاستقصائية والمحاسبة، وأصبحت مصدراً رئيسياً للمعلومات غير الخاضعة للرقابة السياسية أو التحيزات المؤسسية التقليدية .
وتؤكد تقارير حقوقية وإعلامية أن هذه المنصات ساهمت في تعزيز المساءلة، خاصة في قضايا الفساد والإصلاحات الاقتصادية، رغم تحديات الاستدامة المالية وهجرة الكوادر .
ومع ذلك، يثير الاعتماد المتزايد على وسائل التواصل مخاوف بشأن انتشار الأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية، خاصة في ظل التوترات السياسية والأمنية .
وقد دعا وزير الإعلام، في تصريحات حديثة، إلى تعزيز الثقة بالمعلومة الموثوقة وبناء آليات لمكافحة التضليل، مشيراً إلى أن وزارته تعتمد نهجاً توعوياً دون رقابة مباشرة، فيما يتولى القضاء الملاحقة .
ويأتي هذا التطور في وقت يناقش فيه مجلس النواب مشروع قانون الإعلام الجديد، الذي يتضمن فصلاً خاصاً بتنظيم الإعلام الإلكتروني. ومن أبرز بنوده، بحسب تصريحات سابقة للوزير، إلغاء الحبس الاحتياطي للصحفيين بسبب آرائهم، استبدال العقوبات السالبة للحرية بغرامات مالية موجزة وفاعلة، استبدال نظام الترخيص بنظام “العلم والخبر” للمواقع الإلكترونية، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة ناظمة للإعلام تضم خبراء وقانونيين وممثلين عن النقابات .
كما ينظم المشروع الإعلام العام عبر منصة إلكترونية موحدة تجمع تلفزيون لبنان والوكالة الوطنية للإعلام وإذاعة لبنان .
ورحبت منظمة اليونسكو بالصياغة النهائية للمشروع، معتبرة إياه خطوة إصلاحية تتماشى مع المعايير الدولية لحرية التعبير وسلامة الصحافيين
وكشف الوزير عن تقدم ملموس في ملف التشريع الإعلامي، حيث وصل مشروع قانون الإعلام الجديد إلى الهيئة العامة لمجلس النواب بعد نحو 15 عاماً من الدراسة في اللجان النيابية. ويُنتظر أن يحل هذا النص محل القانون الحالي الذي يعود إلى نحو 30 عاماً، أي قبل انتشار وسائل التواصل والإعلام الرقمي .
غير أن المشروع يواجه انتقادات حادة من منظمات حقوقية وصحافية لبنانية ودولية. فقد حذرت 14 منظمة حقوقية، في بيانات سابقة، من تعديلات مقترحة – نسبت جزئياً إلى الوزير مرقص الذي نفى بعضها – تعيد العمل بالتوقيف الاحتياطي في حالات “التعرض لكرامة الأشخاص أو حياتهم الخاصة”، واصفة هذه النصوص بأنها “فضفاضة” وقد تُستخدم لإسكات المعارضة والإعلام .
وأعربت منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”الأجندة القانونية” عن قلقها من أن القانون، رغم بعض الإيجابيات، قد يحافظ على تجريم القدح والذم ضد رؤساء الدول ويفرض قيوداً جديدة على المؤسسات الإعلامية أثناء الدعاوى القضائية، مما يشكل “خطوة كبيرة إلى الوراء” في حماية حرية التعبير. ودعت هذه المنظمات مجلس النواب إلى تعديل النص قبل إقراره لضمان عدم إساءة استخدامه ضد الصحافيين والناشطين .
وفي الأوساط الصحفية، أبدى بعض الإعلاميين والنقابات مخاوف من أن النص، رغم وعوده بتعزيز الحريات، قد لا يوفر حماية كافية أمام الضغوط السياسية والقضائية المستمرة، خاصة في ظل الاستخدام المتكرر لقانون العقوبات في استدعاء الصحفيين. ويُنتظر أن يثير النقاش في الهيئة العامة جدلاً حول التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية في عصر الإعلام الرقمي .