المستشار الأقدم
دژوار فايق
تحظى حياة ونضال الزعيم الراحل الملا مصطفى بارزاني باحترام وتقدير كبيرين في كوردستان وخارجها، إذ أصبحت سيرته جزءًا أصيلًا من تاريخ الحركة الوطنية الكردية، ومصدرًا مهمًا لدراسة مسار النضال الكردي في القرن العشرين. لذلك تُدرَس تجربته من زوايا متعددة؛ سياسية وتاريخية وفكرية، لما تنطوي عليه من دلالات عميقة في مسيرة شعبٍ كافح طويلًا من أجل نيل حقوقه المشروعة.
لم يكن الملا مصطفى بارزاني مجرد شخصية شاركت في إحدى مراحل الثورات الكردية، بل كان أحد أبرز صانعيها ومحركاتها. فقد ارتبط اسمه بثورة بارزان الأولى والثانية، كما ارتبط بثورة أيلول الوطنية التي تُعد من أهم مراحل النضال الكردي المعاصر، وكذلك بالبيان التاريخي الصادر في الحادي عشر من آذار، الذي شكّل محطة سياسية بارزة في تاريخ القضية الكردية.
ولم يقتصر دوره على حدود كوردستان، بل امتد إلى أحداث مفصلية في تاريخ المنطقة. فقد ساهم في إنقاذ القائد الأرمني أندرانيك باشا وساعده على الوصول إلى الحدود السورية، كما دعم عددًا من حركات التحرر في المنطقة، ومنها ثورة الشيخ محمود الحفيد وثورة الشيخ سعيد البيراني. ومع اندلاع ثورة أيلول، عمل على إيصال المطالب المشروعة للشعب الكردي إلى العالم شرقًا وغربًا، محوّلًا القضية الكردية من قضية محلية إلى قضية حاضرة في المحافل الدولية.
وعلى مدى عقود طويلة، خاض الملا مصطفى بارزاني مفاوضات سياسية مع الحكومات العراقية المتعاقبة بين عامي 1921 و1974، سعيًا إلى إيجاد حل سلمي عادل للقضية الكردية ضمن إطار سياسي يضمن الحقوق المشروعة للشعب الكردي. كما لعب دورًا بارزًا في تجربة جمهورية كوردستان، التي مثّلت أول تجربة سياسية حديثة للحكم الكردي في القرن العشرين.
وبعد سقوط جمهورية كوردستان، توجّه الملا مصطفى بارزاني إلى الاتحاد السوفيتي برفقة نحو خمسمائة من المقاتلين الكرد. ولم تكن تلك المرحلة مرحلة هزيمة أو انكسار، بل تحولت إلى فرصة للتعلم واكتساب المعرفة؛ إذ عملوا هناك على تطوير أنفسهم علميًا وثقافيًا، واكتسبوا خبرات سياسية وعسكرية حديثة أسهمت لاحقًا في تعزيز مسار الحركة الكردية.
وفي عام 1958 عاد الملا مصطفى بارزاني إلى كوردستان ليبدأ مرحلة جديدة من النضال الوطني، وليقود الحركة التحررية الكردية في واحدة من أكثر مراحلها حساسية وأهمية.
وُلد بارزاني في عائلة كردية عُرفت بتاريخها الحافل بالمقاومة والنضال. فقبل الحرب العالمية الأولى، انخرط شقيقه الأكبر الشيخ عبد السلام البارزاني في ثورة ضد السلطات العثمانية دفاعًا عن حقوق الشعب الكردي، وقد أُعدم في الموصل عام 1914.
أما الملا مصطفى بارزاني نفسه، فقد عانى منذ طفولته من الملاحقة والاعتقال. فبعد انتفاضة الشيخ عبد السلام بارزاني عام 1906، سُجن في الموصل مع والدته وهو في الثالثة من عمره. وتكرر اعتقاله لاحقًا بعد انهيار ثورة بارزان الأولى عام 1934، حيث نُقل بين عدة مدن عراقية، منها بغداد والناصرية والديوانية والحلة، قبل أن يُنقل لاحقًا إلى بردي والسليمانية عام 1939.
وبمساعدة الشيخ لطيف الحفيد وعدد من الشخصيات الوطنية في السليمانية، تمكن من الهروب عبر الأراضي الإيرانية إلى مدينة شنو، ثم عاد بعدها إلى بارزان ليقود ثورة بارزان الثانية.
قاد الملا مصطفى بارزاني حركة التحرر الكردية لما يقارب نصف قرن دون كلل أو ملل. ورغم ما واجهه من صعوبات وانتكاسات، ظل مؤمنًا بأن الشعب الكردي يستحق الحرية والكرامة، وأن النضال من أجل الحقوق لا يتوقف عند حدود الهزائم المؤقتة.
وعند التأمل في مسيرته الممتدة على مدى خمسين عامًا، نجد تاريخًا حافلًا بالتضحيات والتجارب الصعبة، لكنه في الوقت ذاته تجربة غنية بالدروس السياسية والتاريخية التي ما تزال تلهم الأجيال.
ولهذا ينظر كثيرون، في كوردستان وخارجها، إلى نضال الملا مصطفى بارزاني وصبره وشجاعته بإجلال واحترام؛ فقد أدركوا أنه لم يعش لنفسه، بل كرّس حياته لقضية شعبه، وجعل من خدمة الكرد وكوردستان رسالته الأساسية حتى آخر أيامه.