حلبجة الشهيدة… إرادة شعب لا تُقهر وهوية لا تموت

د. ضياء عبدالخالق المندلاوي

لم يكن التاريخ الحديث والمعاصر للعراق خالياً من المآسي التي صنعتها أنظمة الاستبداد، غير أن كوردستان كانت الهدف الأشد قسوة لتلك السياسات القمعية، حيث مورست ضدها أشكال متعددة من العنف الممنهج في محاولة لإلغاء هوية شعبٍ بأكمله. وكانت حلبجة الجرح الأعمق في ذاكرة الكورد، والصفحة الأكثر سواداً في سجل الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين الأبرياء.

ففي السادس عشر من آذار عام 1988، لم تكن حلبجة مجرد مدينة كوردية عابرة، بل تحولت إلى مسرح لجريمة إنسانية مكتملة الأركان، إذ امتلأت سماؤها بالغازات السامة، وسقط آلاف الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ خلال دقائق معدودة، ضحايا جريمة انتهكت أبسط حقوق الإنسان، وهو الحق في الحياة.

لقد جاء ما حدث في حلبجة في سياقٍ معقد من أحداث الحرب العراقية-الإيرانية (1980–1988)، وهي حرب استنزاف طويلة ألقت بظلالها الثقيلة على المنطقة بأسرها. ففي أيامها الأخيرة، تحولت المدينة إلى ساحة صراع عسكري محتدم، الأمر الذي استُغل لتصعيد السياسات القمعية ضد المدنيين الكورد. وفي هذا السياق، وقعت جريمة قصف حلبجة، امتداداً لسياسات ممنهجة استهدفت كسر إرادة المجتمع الكوردي وإرغامه على الخضوع عبر استخدام أسلحة محرّمة دولياً.

لم تكن مأساة حلبجة حادثة عابرة في سياق صراع سياسي أو عسكري، بل مثلت انهياراً أخلاقياً وإنسانياً صارخاً. ففي لحظات قليلة سقط آلاف الضحايا تحت تأثير الغازات السامة، في مشهد لم تعرفه ذاكرة المنطقة الحديثة بمثل هذه الوحشية. واختلطت رائحة التفاح التي خفَتت بين السحب السامة لتتحول إلى رمز مأساوي في ذاكرة الناجين، يذكّرهم بوحشية الموت الصامت الذي حل بالمدينة.

سقط الأطفال والنساء والشيوخ في الأزقة والبيوت والطرقات، ضحايا جريمة لم تكن سياسية فحسب، بل جريمة أخلاقية وإنسانية ضد الضمير البشري. أكثر من خمسة آلاف شهيد، وآلاف الجرحى والمصابين بإعاقات دائمة، وتشوهات خلقية ورثتها الأجيال اللاحقة؛ جميعها تحكي قصة مدينة تحولت إلى مسرح للموت الصامت، شاهدة على وحشية يصعب على الكلمات الإحاطة بها.

وما زاد من فداحة المأساة آنذاك هو الصمت الدولي الذي أحاط بالجريمة في أيامها الأولى، إذ تأخرت ردود الفعل العالمية رغم هول الكارثة الإنسانية. غير أن تقارير العديد من المنظمات الدولية والحقوقية وثّقت لاحقًا حجم الجريمة وآثارها الكارثية على المدنيين، مؤكدة أن ما حدث في حلبجة يمثل واحدة من أبشع الجرائم الكيميائية التي شهدها التاريخ الحديث.

لقد كشف ما حدث في حلبجة الوجه القبيح لغياب الضمير الإنساني، وأكد أن القوة والهيمنة لا تُقاسان بالعنف، بل بمدى احترام حياة البشر وكرامتهم. ومفارقة التاريخ أن محاولة الطغاة لإخماد صوت الشعب الكوردي ومحو هويته القومية تحولت إلى شهادة حية على صموده وإصراره على البقاء.

فالشعب الكوردي، الذي واجه عبر تاريخه الطويل أشكالاً متعددة من القمع والإبادة، لم يفقد إيمانه بالحياة ولا تمسكه بحقوقه المشروعة في الحرية والكرامة. وكل مأساة حاولت كسر إرادته لم تزد نضاله إلا توهجاً. وأصبح نوروز، رمز الصمود والتجدد في الوجدان الكوردي، أكثر إشراقاً بعد كل محنة، ليؤكد أن إرادة الشعوب لا تُقهر مهما تعاظمت التحديات.

ومع مرور السنوات، لم تقتصر انتصارات الشعب الكوردي على الصمود الأخلاقي والسياسي، بل تحققت أيضاً إنجازات إدارية وحقوقية مهمة. ومن أبرز هذه الإنجازات الدور الريادي الذي أداه الحزب الديمقراطي الكوردستاني بالتنسيق مع القوى الوطنية في تحويل حلبجة إلى محافظة رسمية، بعد أن قاد حملة وطنية مدروسة لضمان الاعتراف بمكانتها على الخريطة الإدارية. وقد حملت هذه الخطوة دلالة رمزية وسياسية كبيرة، إذ صوّت عليها البرلمان العراقي لاحقاً لتصبح حلبجة محافظة مستقلة داخل إقليم كوردستان، في تأكيدٍ على الحق في الإدارة الذاتية وصيانة الهوية الوطنية وتعويض جزء من الظلم التاريخي الذي لحق بالمدينة.

اليوم، وبعد مرور ثمانية وثلاثين عاماً، لا تزال حلبجة جرحاً غائراً في الذاكرة الكوردية، لكنها في الوقت ذاته تحولت إلى رمز عالمي للعدالة الإنسانية. فهذه المدينة الصغيرة التي استُهدفت بالسموم القاتلة أصبحت شاهداً حياً على ضرورة الوقوف في وجه الظلم والاستبداد، والدفاع عن كرامة الإنسان في كل مكان.

وقد اعترف المجتمع الدولي لاحقاً بأن ما حدث في حلبجة يمثل إبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهي حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها. وستظل مأساة المدينة درساً إنسانياً حياً يجب أن يبقى حاضراً في ضمير العالم حتى لا تتكرر مآسي الإبادة الجماعية.

ومن هنا تبرز أهمية الدعوة إلى اعتماد السادس عشر من آذار يوماً عالمياً لمناهضة استخدام الأسلحة الكيميائية، وتعزيز الجهود الدولية لحظرها وتجريم كل من يلجأ إليها. فالعالم الذي يسعى إلى السلام والعدالة لا يمكن أن يقبل بوجود أسلحة تهدف إلى إبادة البشر ونشر الموت بين المدنيين الأبرياء.

لقد أصبحت حلبجة اليوم أكثر من مجرد مدينة في ذاكرة الكورد؛ إنها رمز إنساني عالمي، وصوت يذكّر البشرية بأن الحرية والكرامة الإنسانية قيم لا يمكن التفريط بها. وستظل دماء الأبرياء التي سُفكت ظلماً شاهداً حياً على ضرورة بناء عالم أكثر عدلاً وإنسانية.

وستبقى حلبجة، رغم الألم والوجع، منارة للذاكرة والوعي، ودليلاً على أن الشعوب التي تضحي في سبيل كرامتها قادرة على النهوض من تحت الركام وصناعة مستقبل أكثر إشراقاً لأجيالها القادمة. فالتاريخ لا يسجل المآسي فحسب، بل يسجل أيضاً صمود الشعوب، وحلبجة ستظل عنواناً خالداً للصمود والكرامة في ذاكرة شعب كوردستان وضمير الإنسانية.

قد يعجبك ايضا