إدريس شكاكي
ليست عفرين مجرد رقعة جغرافية في شمال غربي سوريا بل هي مساحة تختزن في تضاريسها وذاكرتها تاريخاً عميقاً يمتد إلى آلاف السنين. هذه المنطقة التي يعرف جبلها في الذاكرة الكوردية باسم (جيايي كورمينج) ظلت عبر العصور جزءاً من الفضاء الحضاري لشعوب قديمة سكنت هذه الجغرافيا وفي مقدمتها الهوريون الذين لعبوا دوراً مهماً في تشكيل ملامح الحضارة في شمال ميزوبوتاميا خلال الألف الثاني قبل الميلاد. وقد امتد حضورهم عبر مناطق واسعة من شمال سوريا والأناضول وبلاد الرافدين تاركين آثاراً ثقافية ولغوية لا تزال بعض ملامحها قائمة في أسماء الأماكن والعادات والتقاليد.
ومع صعود المملكة الميتانية في القرن الخامس عشر قبل الميلاد أصبحت هذه المنطقة جزءاً من المجال السياسي والحضاري لتلك المملكة التي شكلت إحدى القوى الكبرى في الشرق الأدنى القديم. ويذهب عدد من الباحثين إلى أن الهوريين والميتانيين يمثلون إحدى الحلقات التاريخية المبكرة التي ترتبط بالجذور الحضارية للشعب الكوردي الذي استمر وجوده في هذه الجغرافيا عبر القرون محافظاً على لغته وثقافته وارتباطه العميق بالأرض.
ومنذ ذلك الزمن البعيد وحتى يومنا هذا بقيت عفرين جزءاً من الذاكرة الكوردية الحية حيث تنتشر القرى على سفوح جيايي كورمينج شاهدة على استمرارية الحياة الكوردية في هذه المنطقة. فالأرض التي اشتهرت بأشجار الزيتون لم تكن مجرد أرض زراعية بل كانت موطناً لمجتمع حافظ على لغته الكوردية الكرمانجية وتراثه الشعبي وتناقل عبر الأجيال حكاياته وأغانيه وعاداته التي تعكس عمق الانتماء إلى هذه الجغرافيا.
لقد مرت عفرين عبر التاريخ بتحولات سياسية عديدة وتعاقبت عليها قوى وإمبراطوريات مختلفة إلا أن هوية المنطقة بقيت حاضرة في ذاكرة سكانها وفي ثقافتهم اليومية. فالجبال والوديان والقرى القديمة لا تحمل فقط أسماء تاريخية بل تختزن أيضاً ذاكرة جماعية لشعب ارتبط بأرضه ارتباطاً عضوياً حيث شكلت الجبال في الوعي الكوردي رمزاً للصمود والحرية والاستمرار.
وفي السنوات الأخيرة عاشت عفرين واحدة من أكثر مراحلها صعوبة نتيجة الصراعات التي شهدتها سوريا وما رافقها من تهجير ومعاناة إنسانية أصابت أهلها في الصميم. ومع ذلك، بقيت علاقة الكورد بعفرين علاقة تتجاوز حدود الجغرافيا فهي بالنسبة لهم أرض الآباء والأجداد، وموطن الثقافة واللغة والذاكرة ومكان تتجدد فيه رمزية الصمود والبقاء.
إن عفرين أو جيايي كورمينج كما يسميها الكورد ليست مجرد اسم في خرائط الجغرافيا بل هي امتداد لتاريخ طويل من الحضارات التي مرت بهذه الأرض ومن الشعوب التي حافظت على حضورها فيها. وبين جذور الهوريين والميتانيين في أعماق التاريخ والحضور الكوردي المتواصل عبر القرون تتشكل صورة عفرين بوصفها جزءاً من ذاكرة تاريخية وثقافية يصعب فصلها عن هوية هذه المنطقة.؟
ولهذا فإن الكورد في عفرين لم يكونوا يوماً عابرين في هذه الجغرافيا بل كانوا جزءاً من تاريخها المتراكم وحملة لذاكرةٍ حضارية ممتدة عبر الزمن. ورغم كل ما شهدته المنطقة من تحولات وتحديات يبقى ارتباطهم بأرضهم تعبيراً عن جذور ضاربة في عمق التاريخ وجزءاً من قصة شعب لن يتخلى عن هويته ولا عن أرض شكلت على الدوام جزءاً أساسياً من كيانه ووجوده.
*عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني في سوريا (البارتي)