كاوه عبان
سفير فوق العادة لمنظمة امسام الاممية
اليوم، 14 مارس، يصادف الذكرى السنوية لميلاد الملا مصطفى بارزاني، الزعيم التاريخي لحركة التحرير الكوردية والأب الروحي للشعب الكوردي، الذي ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ المنطقة.
في تاريخ الأمم، تُصنع بعض نقاط التحول بالأفكار، بينما تُشكّل أخرى على أيدي الرجال. وفي تاريخ الكورد خلال القرن العشرين، يظل اسم الملا مصطفى بارزاني علامة فارقة، قائد تحول من زعيم محلي في جبال بارزان إلى رمز وطني تجاوز الحدود الجغرافية، مؤثرًا في مسار النضال السياسي والعسكري للأمة الكردية.
*من جبال بارزان إلى ساحات المعارك:*
ولد بارزاني عام 1903 في منطقة بارزان، في بيئة دينية تمزج بين الروحانية الصوفية والنفوذ الاجتماعي، ضمن عائلة قادت المقاومة المبكرة ضد الحكام المتعاقبين.
منذ صغره، عاش وسط الصراعات والاضطهاد العسكري، ما صقل وعيه السياسي وغرس فيه التزامًا عميقًا بالدفاع عن الهوية الكوردية. في عام 1919، شارك في انتفاضة الشيخ محمود الحفيد، وتولى قيادة قوة مكونة من 300 مقاتل، قبل أن يُرسل للتنسيق مع ثورة الشيخ سعيد پيران في كوردستان التركية.
خلال انتفاضات 1931–1932، قاد قوات كوردية كبيرة دافعت عن المحاور الاستراتيجية في ميرگاسور وشيروان ضد القوات البريطانية، مكتسبًا سمعة قائد عسكري متمرس وقادر على إدارة الصراعات المعقدة.
وفي الحرب العالمية الثانية، أطلق بارزاني انتفاضة في منطقة بارزان، وصل خلالها عدد مقاتلي البيشمركة إلى نحو 2500، ما جعل الحكومة العراقية تفقد السيطرة الفعلية على المنطقة. وبعد عام ونصف، شنت الحكومة العراقية هجومًا واسعًا أعاد البيشمركة إلى منطقة كاني رش قرب الحدود التركية بعد معارك عنيفة.
في 22 يناير 1946، خلال إعلان جمهورية كوردستان في مهاباد، تم تعيين الملا مصطفى بارزاني قائدًا للجيش الجمهوري ومنحه رتبة جنرال، ليصبح حجر الأساس للقوة العسكرية الكوردية النظامية.
*المنفى وإعادة البناء السياسي:*
بعد انهيار جمهورية مهاباد وانسحاب القوات السوفييتية من إيران،لجأ البارزاني ورفاقه إلى حدود الاتحاد السوفيتي آنذاك، حيث قضى هو ورفاقه 12 عامًا في إعادة تنظيم الحركة الكوردية، واكتساب الخبرات الدولية في الإدارة والتدريب العسكري والسياسي، مع الحفاظ على الهوية الكوردية واستقلال القرار الوطني.
*العودة وثورة سبتمبر*
بعد سقوط الملكية العراقية عام 1958، عاد بارزاني إلى العراق وتم استقباله استقبالًا شعبيًا هائلًا، مطلقًا مرحلة جديدة من النضال السياسي، طالبًا الحكم الذاتي ضمن الدولة العراقية. لكن الخلافات مع الحكومة سرعان ما ظهرت، بسبب تنصل بغداد في الوفاء بالتزاماتها تجاه حقوق الكورد.
في 11 ايلول 1961، أطلق بارزاني ثورة سبتمبر، معلنًا بداية صراع طويل من أجل الحكم الذاتي الكوردي، دام نحو عقد كامل، بقي خلاله القائد الأعلى للحركة الوطنية الكوردية سياسيًا وعسكريًا.
وفي عام 1970، تم توقيع اتفاقية الحكم الذاتي بين الكورد والحكومة العراقية، التي شكلت أول اعتراف رسمي بحقوق الكورد في التاريخ الحديث للعراق، وشملت مشاركة الكورد في الإدارة، والاعتراف باللغة الكوردية كلغة رسمية في التعليم، وتطبيق الحكم الذاتي في كوردستان.
غير أن الحكومة العراقية تراجعت عن الاتفاق لاحقًا، واتفقت مع إيران ضد الحركة الكوردية، ما أدى إلى توقيع اتفاق الجزائر عام 1975.
*السنوات الأخيرة والإرث الدائم:*
بعد عام 1975، سافر بارزاني إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج، وتوفي في 1 مارس 1979، خاتمًا حياة قائد ترك إرثًا سياسيًا وعسكريًا خالدًا في ذاكرة الكورد والعراق. وأعيد رفاته لاحقًا إلى بارزان، حيث يزور مزاره سنويًا الإلاف من محبيه.
لم يكن بارزاني مجرد قائد عسكري، بل مؤسس مدرسة سياسية وطنية تقوم على مبدأ استقلال القرار الكوردي، ودمج النضال المسلح بالمفاوضات السياسية، والحفاظ على الهوية ضمن معادلة إقليمية معقدة.
وضع الملا مصطفى بارزاني حجر الأساس للمشروع الوطني الكوردي الحديث، وكتب فصولًا حاسمة بين البندقية وطاولة المفاوضات، مؤثرًا في تاريخ كوردستان والعراق الحديث. ويظل اسمه حاضرًا ليس كشخصية تاريخية فحسب، بل كرمز لعصر شكّل الواقع السياسي الكوردي الحديث وما زال يتطور حتى اليوم.