كاوه عبان
سفير فوق العادة لمنظمة إمسام الدولية
يُعدّ 14 آذار/مارس 1932 تاريخاً مفصلياً في مسيرة الصحافة الكوردية الحديثة، إذ شهد هذا اليوم تأسيس مجلة هاوار التي شكّلت منبراً فكرياً وثقافياً بارزاً أسهم في إحياء اللغة الكوردية وتطوير أدبها، كما لعبت دوراً مهماً في تعزيز الوعي القومي والثقافي لدى المجتمع الكوردي.
جاء تأسيس المجلة في سياق تاريخي معقّد أعقب تداعيات ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925، والتي أدت إلى تهجير عدد كبير من المثقفين والمفكرين والقادة الكورد إلى خارج تركيا. وفي عام 1927 اجتمع عدد من هؤلاء في بلدة بحمدون قرب بيروت في لبنان، حيث تأسست منظمة خويبون بوصفها إطاراً سياسياً وقومياً يهدف إلى دعم القضية الكوردية وتنظيم النشاط الثقافي والسياسي للكورد في المنفى، وكان لعائلة بدرخان دور محوري في هذا المشروع.
برز في هذا السياق اسم المفكر الكوردي جلادت بدرخان إلى جانب شقيقه كاميران بدرخان، حيث اضطلعا بدور ريادي في تطوير العمل الثقافي والإعلامي الكوردي. وقد كرّسا جهودهما لإصدار الكتب والمطبوعات وتعزيز الوعي القومي لدى الكورد، إيماناً منهما بأن الثقافة والمعرفة تمثلان ركيزة أساسية في مسيرة الشعوب نحو الحفاظ على هويتها.
في العاصمة السورية دمشق اجتمع جلادت بدرخان مع عدد من المثقفين والناشطين الكورد لوضع تصور لمشروع ثقافي يعيد الأمل إلى المجتمع الكوردي الذي كان يمر آنذاك بظروف قاسية، اتسمت بالإحباط بعد إخفاق الانتفاضات الكوردية، إضافة إلى انتشار الفقر والخوف والتهميش في أوساط المجتمع.
وفي خضم تلك المرحلة، تحوّل النضال من البندقية إلى القلم. ففي 14 آذار 1932 بادر جلادت بدرخان إلى تأسيس مجلة هاوار في دمشق بصفته صاحب الامتياز ومديرها المسؤول. وبعد أشهر قليلة، صدر العدد الأول رسمياً في 15 أيار 1932، ليشكّل صدوره بارقة أمل ثقافية في مرحلة اتسمت بالظروف السياسية الصعبة التي كانت تمر بها المنطقة والشعب الكوردي على وجه الخصوص.
لم تكن هاوار مجرد مجلة أدبية، بل كانت مشروعاً ثقافياً متكاملاً جمع بين الفكر والأدب والبحث الاجتماعي. وقد شارك في صفحاتها كتّاب ومفكرون من عدة بلدان، من بينها العراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر وإيران والسعودية، إضافة إلى مساهمات من الولايات المتحدة.
وفي العراق شارك كتّاب من مختلف المدن الكوردية والعراقية، من زاخو حتى البصرة جنوباً. كما كان لمدينة دهوك في إقليم كوردستان العراق حضور لافت عبر مشاركة عدد من مثقفيها ومناضليها في المجلة، من بينهم:
إسماعيل عبان آغا دوسكي، سعيد آغا ديوالي دوسكي، نور محمد شيخ عبيد بريفكاني، محمد صالح جبرائيل، إسماعيل سعيد آغا دوسكي، صبغة الله مفتي، الشيخ ممدوح شيخ نور الدين بريفكاني، أحمد حاجي، ملا خليل، خوري يوسف، ملا عبد الهادي، عبد المجيد كمكي، علي حسين كاوي، محمد صالح حسين، نعمت أحمد سلطان، يوسف ميرخان، عبد الله نبي، ومحمد عمر.
تميّزت مجلة هاوار أيضاً بتجربتها اللغوية الرائدة، إذ صدرت بالحرفين العربي واللاتيني، في محاولة لتطوير الكتابة الكوردية وتحديثها. وقد صدر منها ما مجموعه 57 عدداً قبل أن تتوقف نهائياً في 15 آب 1943 نتيجة التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة، ولا سيما تداعيات الحرب العالمية الثانية 1939–1945.
ورغم توقفها في ذلك العام، بقيت هاوار علامة فارقة في تاريخ الصحافة والثقافة الكردية، ورمزاً ثقافياً ولغوياً حياً انتقل تأثيره من جيل إلى آخر، محافظاً على مكانته بوصفه أحد أبرز المشاريع الفكرية في تاريخ الحركة الثقافية الكردية الحديثة.