اتقاء الشر والمجتمعات البشرية

د. توفيق رفيق آلتونچي

“اثنان لا تذكرهما أبدا، إحسانك للناس و إساءة الآخرين إليك”

الإمام علي بن ابي طالب (رض(

تساءل محق: لماذا يعادي البشر هؤلاء ممن أحسنوا إليهم؟
تساءل محق للإنسان الذي يقابل إحسانه بالجحود. وهذا ما يحصل اليوم وكل مرة مع اندلاع الصراع في الشرق الحزين . خاصة في قصف اقليم كوردستان العراق من قبل تركيا، ايران والعراق.
كيف يمكن لشعب ان يهدم وطنه بيده؟
هناك وجهان لهذه التناقض السلوكي الأول على الصعيد الشخصي والثاني على صعيد المجتمع (راجع الاشارات) الذي يعيش فيه تعددية ثقافية وعقائدية وخاصة بين الجاليات من اللاجئين في الدول الأوربية. يجب ان يكون هناك مبرر عقلاني لهذا التصرف والسلوك في كلتا الحالتين.
الإنسان بطبيعته ليس شرسا وكل ألسمات الشخصية فيه طيبة بصورة عامة ولكنه لا يتورع احيانا باستخدام أساليب سلبية سلوكية كالكذب والغش وحتى التنمر على الآخرين وهذا الأخير ياتي في الواقع من خلل معرفي لدي الأشخاص مما يجعل من الآخرين من الضعفاء هدفا لسخريتهم. لكن الإحسان بطبيعته مجاني لا يرغب المحسن ان يعاد اليه الحسنه عينيا اي ماديا وربما فقط معنويا . الحسنة دون مقابل وليس من قبل القرض كي يعاد إلى المقرض يوما. الإحسان قد يصل إلى درجة الصدقة المادية بالمفهوم الديني لكن بصورة عامة لا ينتظر الناس ان يعاد اليهم صدقاتهم. وهي في واقع الأمر طوعي وإجابة إنسانية لحاجة قريب او صديق. لكن الذي يحصل في واقع الأمر بان الذي احسن اليه يتحول بمرور الزمن إلى عدو لدود رغم ان المحسن لم يطالبه بشيء. هذا السلوك عام وتسمع حكايات وحكايات عن هذه الطائفة من الناس واحيانا يكون قريبك ومن الدرجة الاولى.
ان اقرب تفسير لهذا السلوك هو بان الشخص الذي احسن اليه في وقت الشدة يعرف جيدا في دواخله بانه لا يستطيع رد الإحسان بالإحسان والوفاء فيفكر في الخروج من دائرة احاسيسه بالذنب باللجوء الى المقاطعة الكاملة للذي أ حسن اليه. هذا ما يحصل فتراه يخلق الأعذار تلو الأعذار كي لا يلتقي بصاحبه ويهمله إلى ان يصل إلى الجفاء والقطيعة النهائي فيتركه لهواجسه وأحاسيسه.
كم كان اقليم كوردستان كريما دوما مع الجميع وفتح أبوابه لكل لاجئ ودون أي تفرقة. كان اهل العراق يقضون عيد نوروز الذي يحل بعد ايام في مدنها وكضيوف في بيوت الناس . لكن الناس اليوم اختلفت مشاربهم ويعادون الاقليم واهله ومكتسباته ونسوا تلك الايام التي هربوا اليها لاجئين خوفا من بطش السلطات. اليوم تلك الفصائل الخارجة عن القانون تقصف كوردستان وبنيتها التحتية ليعم الفوضى والخراب فيها . الجدير بالذكر بان هؤلاء يبقون في داخلهم بؤساء والجمرة الحاقدة تحت الرماد يتأذى روحهم من حرارتها.
جزاء الإحسان:
على المستوى الشخصيّ كنت قبل عقود قد ساعدت صديقا لي ولسنوات عدده وقع في حاجة بعد ان ترك العراق مع عائلته لاجئا إلى دولة جارة بقى في معسكر للاجئين سنوات ، قبل ان يصل اوربا. لم يخطر ببالي باني سأطالبه يوما ان يعيد الكرة لي والله شاهد على ذلك. لكنه قطع كل اتصالاته معي ودارت الايام والسنين فاذا به يكتب لي متأسفا وهو على فراش المرض ويطلب مني معلومات حول كيفية اعادة بعض تلك الأموال الي معتبرا ان اعادة الدين قبل الوفاة واجب. نهرته على ذلك وسامحته وكان ذلك آخر لقاء. لكني فكرت لماذا كان عليه ان ينتظر أربعة عقود ليتذكر من احسن اليه في يوم عصيب؟ وكم من هؤلاء اللذين يحملون ذلك الجمر في ارواحهم ينهشهم نهشا و يقض مضجعهم حتى هؤلاء من الاقربون .
المهاجرون والجحود:
اما في المجتمعات حيث يتعدى موضوع الوفاء للمحسنين عند الأشخاص الذين لجأوا إلى تلك الدول المضيفة لهم وهي تتحول إلى مشكلة اوربية بعد ان كانوا جزء من حل مشكلة سوق العمل وشاركوا خلال سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية في اعادة بناء اوربا والمشاركة في الثورة الصناعية والرخاء الاجتماعي الذي واكب ازدهار تلك البلدان وزيادة الثروة الوطنية للدولة وللأشخاص.
فبعد ان كان الاوربين بأنفسهم يبحثون عن قوى أيادي العمل في الدول الاخرى يستقدمونهمً للعمل في دولهم اصبحوا اليوم يطردونهم ويسنون القوانين للحد من الهجرة ونما في تلك الدول قوى السلبية في السياسة حيث يزدهر اليوم الأفكار القومية المتطرفة المنادية إلى طرد اللاجئين واظهار الاخبار السلبية التي يقوم بها هم وأبنائهم في جميع قنوات الإعلامية والذي أدى إلى ظهور رأي عام معاد الأجانب في جميع الدول الاوربية وحتى دول كانت معروفة باعتدال كالدول الإسكندنافية أصبحت مجتمعات تعادي الأجانب وخاصة من المسلمين القادمين من الشرق والاجئين القادمين من الشرق لعدم تمكنهم من التكامل في المجتمعات الغربية. هنا يجدر الاشارة ان هناك العديد من اللاجئين السياسيين واخرون لجأوا أثناء الحرب إلى الدول الغربية . الجدير بالذكر كذلك ان موازيا لانتشار تلك الاخبار السلبية نرى بانً جميع سياسات والحكومية قد فشلت في سياسة الاندماج وتامين عمل او الاعتراف بشهاداتهم الدراسية العالية لأكثرية من المهاجرين وهذا الفشل ادى كذلك للعودة العكسية لهم لاوطانهم الأصلية او البحث عن وطنً جديد. هذه الأخبار السيئة السلبية التي تنشر في الإعلام يعتبرها المجتمعات الغربية جحود ونكران الجميل من قبل اللاجئين للدول والشعوب التي استضافتهم ورد الإحسان لا يكون بنشر الجريمة في تلك المجتمعات، حسب رأيهم . هذا ليس فقط خبر يتداول في الإعلام بل حقيقة وواقع في الأحياء التي يسكنها اكثرية من اللاجئين وخاصة على أطراف المدن الكبيرة في معظم العواصم والمدن الاوربية.
ملاحظات شخصية:
تجربتي تعود إلى اكثر من نصف قرن في دول اوربا وملاحظتي للتغيرات في تلك المجتمعات تاتي من تجاربي فبعد ان كان الأجنبي عملة نادرة في السويد ويحصل على امتيازات كثيرة في بداية الستينيات اصبح اليوم مكروها ويتم معاملته بالنظر إلى هيئته وشكله وصولا إلى تميزه حتى في حالة سفره في المطارات. وقد تمً فعلا اتخاذ هذه الإجراءات مثلا في السويد حيث سن قانون “قانون المصادرة للأموال والمقتنيات للأجانب ” الذي يمنح الشرطة السويدية صلاحيات غير مسبوقة لمصادرة الممتلكات الثمينة من أشخاص لا يمتلكون مصادر دخل واضحة، حتى وإن لم يكونوا مشتبهين بشكل مباشر بارتكاب جريمة. الجدير بالذكر ان ذلك يشمل مصادرة الأموال والمقتنيات كالسيارات والمصوغات والساعات الغالية حتى في الشارع أو اي مكان اخر . وفقاً للحكومة السويدية فإن هناك كذلك مقترح قانوني ينص على أن “السلوك السيئ ” وليس الجريمة .. ستكون سببا كافيا لسحب إقامتك المؤقتة أو الدائمة… وطبعا ليس هناك تعريف للسلوك السئ من ناحية ومن ناحية اخرى من منا لم يخطئ وهل نحن ملائكة على الأرض. سياسة لجوء اوربية جديدة : خذ فقط مثلا وبعد دخول قانون الإهانة الشرطة الجديد حيّز التنفيذ في مملكة السويد حيث تم تقديم أكثر من 170 بلاغًا للشرطة ضد مواطنين السويديين ممن أهانوا أفراد الشرطة وذلك فقط خلال أول شهر من تنفيذه والقانون يعاقب كل من اهان الشرطة حتى بالسباب او الشتم. أصبحت كذلك المدارس، دوائر الخدمات الاجتماعية، والرعاية الصحية، والبلديات، والمناطق، والجهات الحكومية ملزمة بتسليم المعلومات (إخبارية)– حتى تلك المعلومات التي تقع تحت بند “المحمية بالسرية “– إلى الشرطة والادعاء العام وجهاز الأمن الوطني (سپو) إذا رأت الجهات المعنية أن المصلحة العامة تفوق سرية المعلومات.

Screenshot

التركيبة السياسية للأحزاب السياسية في مملكة السويد .
هذه السياسات المعادية للأجانب أدت إلى نزوح العديد من العوائل وهجرة معاكسة من اوربا خاصة للطبقة المتعلمة من الأجيال الجديدة من خريجي الجامعات والحرفيين. كنتيجة لارتفاع العداء لهم والتميز في الحصول على الوظائف وزيادة ( الإسلامفوبيا ) في المجتمعات الاوربية حيث تحولت وسائل التواصل الاجتماعي على الانترنت إلى ارض خصبة لنشر التطرف والكراهية ولجميع الأطراف . مشكلة المجتمعات الاوربية بصورة عامة عدم وجود أيادي عاملة من مواطنيهم في قطاع الخدمات وهم يستنكفون بالعمل في تلك الوظائف والتي أصبحت اليوم حكرا للاجئين وان اي هجرة لهذا القطاع سيؤدي إلى شلل كامل في قطاع الخدمات العامة والأعمال التي يرفض مواطني اوربا العمل فيه. هناك تميز واضح بين اللاجئين القادمين من داخل اوربا وهؤلاء من القادمين من الشرق ويعتقد مواطني اوربا ان الأوربي اكثر تقبلا للتغير والتكامل في المجتمعات الجديدة. اما الشرقي فتراه محافظا على ارثه الثقافي والديني ويرثه إلى أبناءه وأحفادهم وصعوبة تعلمهمً حتى لغات الدول التي يتواجدون فيها على الأقل ما يخص الجيل الأول.
رد الجميل بالمعروف:

أترى ان الدول المستقبلة للاجئين على أراضيهم يعتبرون ذلك حسنة قدموها لهؤلاء وهم جاحدون في نهاية الأمر لا فقط في رد الإحسان بالإحسان لا بل ينشرون ثقافاتهم وينشرون كذلك سلوكيات غريبة على المجتمعات الغربية؟ لا نتمكن من الإجابة على هذا التساؤل المحق. هناك أسئلة اخرى وكثير من الأمور لا يمكننا في المنظور القريب ان نجيب عليها وربما يجب ان تمر اجيال كي نتمكن من اجراء تحليل واقعي ونصل إلى إجابات.
لا ريب ان تكوين المجتمعات الأوربية قد تغيرت عبر الزمن وخاصة ما جاء به الثورة الصناعية من حاجة إلى أيادي عاملة ومع موجة التطور والمعلوماتية ودخول الإنسان الالي والذكاء الصناعي في جميع قطاعات الصناعة اصبح الحاجة تقل إلى قوى وأيادي العمل البشري تاركا مكانه إلى القوى العقلية. والمكائن الذكية. نحن امام تغيرات جذرية في عصر المعلومات وهذا سيغير التركيبة السكانية للعديد من دول العالم ونتيجتها قد تكون مأساوية لدول عددة في الشرق والغرب. المستقبل ليس بذلك الغموض وتحمل الكثير من المفاجأت نحن امام عصر جديد وموجة جديدة سيغير مجمل الجغرافية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية في العالم اجمع. اليس الكلمة طيبة صدقة ؟ والاعتراف بالحسنة والمحسنين يعيد الحياة إلى القلوب بين الناس وعلينا التركيز على الجانب المشرق الإيجابي في شخصية الإنسان . بعيدا عن الأفكار المنغلقة والمتطرفة ونعم لنشر السلام والوئام الاجتماعي في المجتمعات.
هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ. سورةً الرحمن (60)
الأندلس
٢٠٢٦
إشارات؛ ‏
• Alba, Richard, and Nancy Foner. Strangers No More: Immigration and the Challenges of Integration in North America and Western Europe. Princeton University Press, 2015. ‏ • Castles, Stephen, Hein de Haas, and Mark J. Miller. The Age of Migration: International Population Movements in the Modern World. 5th ed., Palgrave Macmillan, 2013. ‏ • Durkheim, Émile. The Division of Labor in Society. The Free Press, 1997 (original work 1893). ‏ • Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. Simon & Schuster, 1996. ‏ • Kymlicka, Will. Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights. Oxford University Press, 1995. ‏ • Putnam, Robert D. Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. Simon & Schuster, 2000. ‏ • Taylor, Charles. Multiculturalism and “The Politics of Recognition.” Princeton University Press, 1992. ‏ • Vertovec, Steven. Diversity and Social Cohesion: Migrant Integration and Multiculturalism in the UK. Routledge, 2012. •
يقول عالم الاجتماع العراقي بصدد النشاز الاجتماعي في المجتمع العراقي مايلي:
“انَّ الحقوق والواجبات كما لا يخفى جانبان متواسقان ومترابطان ولا يجوز أن ينفك أحدهما عن الآخر في الحياة العملية، وقد كانت العصبية القبلية أو المحلية في العهد العثماني قائمة على مثل هذا التواسق بين الحقوق والواجبات، فالفرد يتوقع من عشيرته أو محلته أن تقف إلى جانبه في الملمات، وتنجده إذا تخاصم، وتأخذ بثاره حين يُقتل، والمفروض فيه أن يكون من جانبه مستعداً للقتال معها في المعارك والمساهمة معها في الديات، وهو قد يرمي بنفسه إلى الموت في سبيلها دون أن يسأل : لماذا؟ عندما جاءت الحضارة الحديثة إلينا جلبت معها مفهوماً للعلاقات الاجتماعية يختلف عن المفهوم الذي اعتدنا عليه سابقا، هو مفهوم «الوطن» بدلاً من مفهوم «العشيرة) أو (المحلة»، وصارت الحكومة بمؤسساتها وقوانينها هي التي يجب أن يخضع لها الفرد بدلاً من الخضوع للعرف العشائري القديم. وهنا نشأ أحد مظاهر التناشز الاجتماعي فينا . فنحن حفظنا الحقوق التي لنا على الحكومة، وأخذنا نتحمس لها ونهتف بها ونخطب فيها، ولكننا نسينا أنَّ الحكومة لها في نفس الوقت واجبات على الفرد يجب أن يقوم بها . من طبيعة الإنسان بوجه عام أنَّه سريع إلى إدراك ما له من حقوق تجاه غيره، أما الواجبات المتصلة بتلك الحقوق فهو يحاول أن ينساها، أو يتهرب منها، أو يتقاعس عنها ، ثم يجد تبريراً لما فعل على وجه من الوجوه. إنَّ الإنسان بعبارة أخرى أسرع إلى المطالبة بحقوقه منه إلى القيام بواجباته، وهذا هو ما فعله الفرد العراقي حين جاءت إليه الحضارة “الحديثة
برهان غليون، المجتمع المدني: الماهية والوظائف، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1992. • العروي، عبد الله، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1996. • السكاكيني، بلال، الهجرة والاندماج الاجتماعي في أوروبا: تحديات الهوية والانتماء، دار الفكر، عمان، 2019. • طلال أسد، تشكيلات العلماني: المسيحية والإسلام والحداثة، ترجمة عمرو عثمان، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017. • محمد عابد الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،
https://www.unhcr.org/ar/about-unhcr/who-we-are/1951-refugee-convention
https://wp.me/p4td94-u6f
https://afkaar.centerA9%

الرئيسية


https://www.unhcr.org/ar
https://www.iicss.iq/?id=14&sid=310
https://wp.me/p4td94-u6f

قد يعجبك ايضا